دير القديس العظيم أنبا مقار
الصفحة الرئيسية مركز بيع المطبوعات
دار مجلة مرقس
مجلة مرقس الشهرية القديس العظيم أنبا مقار لمحة عن الدير
كتب أثرية مقالات سبق نشرها
في مجلة مرقس
كتب من نشر وتوزيع
دار مجلة مرقس في مجلة مرقس
مقالات مترجمة

مؤلفات الأب متى المسكين

مايكتب عن دير القديس الأنبا مقار‏  

الأهرام الخميس 28 أكتوبر 2003

الأب متـي المسكين والثقافة القبطية‏(2)‏
بقلم‏:‏ د‏.‏ عاطف العراقي
Link to Actual archived page

  حاول الأب متي المسكين‏,‏ غرس الاتجاه الروحي والبعيد عن التعصب في نفوسنا وعقولنا ووجداننا‏,‏ وما أحوجنا في هذه الأيام التي نعيشها‏,‏ إلي تلك الروح التي أخلص لها مفكرنا الأب متي المسكين‏.‏
إنه يمثل نموذجا للجمع بين النظر والعمل‏,‏ فحياته هي فكره‏,‏ وفكره هو حياته‏.‏ وما أحوجنا في هذا الوقت إلي أن تكون أفعالنا معبرة عن فكرنا‏,‏ وذلك بعد أن كثر بيننا أناس يقولون ما لا يفعلون‏,‏ كهؤلاء لذين يهاجمون الحضارة الغربية وإنجازاتها‏,‏ ويكونون في نفس الوقت أكثر الناس استفادة من روائعها‏.‏

وكتابات الأب متي المسكين الرائعة والتي كنت ومازلت حريصا علي قراءتها ومنذ سنوات بعيدة بعد زياراتي المتعددة لدير الأنبا مقار‏,‏ إذ كانت تكشف كما قلت عن موسوعة علمية وفكرية‏,‏ فإنها تعد معبرة عن كراهية من جانبه للفتنة الطائفية‏.‏ فالرجل طول حياته يكتب آلاف الصفحات المعبرة عن جوهر الأديان بصفة عامة‏,‏ والدين المسيحي بصفة خاصة‏.‏ الصفحات التي تعبر عن حقيقة نفسه المضيئة‏,‏ النفس التي تسعي إلي تحويل الفكر إلي سلوك وواقع‏.‏
استمع إليه أيها القارئ العزيز وهو يقول في مقدمة كتابه الكبير‏:‏ حياة الصلاة الأرثوذكسية مخاطبا المسيحيين‏:‏ إن العالم اليوم متعطش لشهادة إيمان حي بشخص يسوع المسيح‏,‏ لا ليسمعها ولكن ليعيشها‏.‏ فالكتب التي تتكلم عن المسيح ما أكثرها‏,‏ والمعلمون الذين يتكلمون عن المسيح ما أكثرهم أيضا‏,‏ ولكن الذين يعيشون مع المسيح ويتكلمون مع المسيح قليلون جدا‏.‏ والكنيسة لا يمكن أن تعيش علي حقائق إيمان تدرس‏,‏ فالإيمان بالمسيح ليس نظرية بل قوة قادرة علي تغيير الحياة‏,‏ وكل إنسان في المسيح يسوع لابد أن تكون له هذه القوة‏,‏ أي يكون قادرا علي تغيير حياته وتجديدها بقوة المسيح‏(‏ ص‏10‏ من كتابه‏).‏

هذه كلمات من إنسان يدافع عن دينه ولا يتردد في نقد سلوك أبناء دينه والذين يفصلون بين العقيدة والعمل‏.‏ إنه لا يتردد طوال صفحات كتابه عن حياة الصلاة الأرثوذكسية والذي تقترب صفحاته من سبعمائة صفحة‏,‏ وأيضا في كتبه الأخري وما أكثرها‏,‏ لا يتردد في التأكيد علي أن العبادات تكون حقيقتها في الباطن وليس في الظاهر أساسا‏.‏ يؤكد علي القول بأن هدف الفرد الإنساني يجب أن يدور حول الغيرية وحب الآخرين وبحيث يكون مبتعدا تماما عن الأنانية والسلوك الذي يضر بالآخرين‏.‏ إنه يقول‏:‏ لقد أصبحت لهفة العالم اليوم إلي شهادة إيمان حية صادرة من نفس لها صلة حقيقية بالله‏,‏ شديدة للغاية لأنها تفوق في وزنها وأثرها ألف كتاب عن العقيدة والإيمان والصلاة‏.‏
إنه يدعونا إلي التواضع وإنكار الذات‏,‏ وكم نحن الآن وأكثر من أي وقت مضي‏.‏ في أمس الحاجة إلي غرس هذه القيم في نفوسنا بعد أن انتشرت بيننا ظاهرة تضخم الأنا‏,‏ وظاهرة الغرور بدون أدني مبرر‏.‏ يقول الأب متي المسكين‏:‏ حذار أن تكون فكرة عن نفسك أنك شئ مهم‏,‏ وأنه لولاك لتوقفت الأمور وتعطلت الأعمال‏,‏ فتبدو ذاتك في عينيك أنها عظيمة وكبيرة‏.‏ كما يقول في عبارة رائعة‏:‏ من الأفضل للإنسان أن يعيش ميتا في نظر الناس والعالم ويخلص‏,‏ من أن يتبوأ أعظم المراكز والخدمات ويخسر حريته وحياته لأبدية‏,‏ كما أنه أفضل للإنسان أن يقال عنه إنه جاهل أو ضعيف‏,‏ ويكون سائرا في طريق الحق والحياة‏.‏ من أن يكون شغله الشاغل مديح الأفواه علي المنابر كقوي عظيم وتكون حياته الداخلية خربة وخالية والظلمة تلاحقه‏.‏

والواقع أن الأب متي المسكين قد بذل جهدا‏,‏ وجهدا كبيرا في التنبيه إلي أهمية القيم الروحية في بلورة سلوك الإنسان‏,‏ فالإنسان لا يكون كائنا اجتماعيا إلا إذا كانت المحبة هي عقيدته الكبري ـ كما يقول‏.‏ وهو يثق بالله ثقة مطلقة‏.‏ إن هذا يعد واضحا غاية الوضوح في كل الكتب التي قام بتأليفها‏,‏ ومنها علي سبيل المثال ما يكتبه في الفصل السادس من كتابه حياة الصلاة عن ضبط الفكر‏,‏ وهو يعد أروع فصول كتابه‏.‏ إنه يقول‏:‏ من نعم الله علي الإنسان سعة الخيال وامتداده حتي إلي ما فوق حدود العالم المادي‏,‏ فالفكر البشري يستطيع أن يحيط بكل ما علي الارض ويمتد ليتصور ما في السماء‏.‏ وقد وهبنا الله هذا الخيال الحي لنتصور به حوادث الماضي لنحيا فيها ونشترك في بركاتها ونحتاط لاخطائها‏,‏ فالخيال هو الرباط الذي يربط حقائق الماضي بوقائع الحاضر بأماني المستقبل‏.‏
إن الأب متي المسكين كان ولا يزال حريصا علي أن يقدم لنا مجتمعا أفضل‏,‏ مجتمعا حضاريا تتمثل حضارته في الداخل أساسا‏,‏ داخل الإنسان‏,‏ وليس من خلال الانبهار بالعوامل الخارجية الزائفة‏,‏ أي بقشور الحضارة‏.‏ فإذا صلح الإنسان بداخله‏,‏ فإن الأمة سوف تأخذ طريقها نحو التقدم إلي الأمام والازدهار حاضرا ومستقبلا‏.‏ فالإنسان فيما يقول يكون في غاية السعادة والسلام بسبب عناية الله به عناية شاملة من جهة رغباته الجسدية ورعايته في الداخل والخارج وحمايته له حماية ملموسة في كل المواقف‏,‏ وليطمئن الإنسان تماما أنه محفوظ بيد الله وملحوظ بعنايته‏,‏ وتزداد ثقة الإنسان ويتقوي إيمانه بالله علي أساس الدليل المادي الواضح والبرهان الملموس‏.‏

والواقع أن القارئ لآلاف الصفحات التي كتبها الأب متي المسكين‏,‏ يجد نفسه في دهشة أمام هذه الثقافة الموسوعية والتي يعبر عنها حديثه عن مئات الموضوعات التي يكتب فيها‏.‏ إن القارئ يشعر بالإعجاب تجاه الرجل خاصة أنه يكتب بروح أدبية وأسلوب مشرق غاية في الوضوح‏,‏ أسلوب يعبر من خلاله عن قلقه تجاه ما يعترض الإنسان في كل زمان وكل مكان من قلق ومعوقات‏.‏ إنه لا يكون مكتفيا بالحديث عن مشكلات الإنسان‏,‏ بل سرعان ما يقدم لنا الحلول وأوجه العلاج‏.‏ إنه يكتب عن الأمل وعن التفاؤل وعن التربية الروحية وكيف يكون فيها الخلاص من متاعب الإنسان‏.‏ إن هذا يعد واضحا في حديثه عن الفتور الروحي وعوامل تقوية إرادة الروح‏.‏ يتحدث عن الضمير وأهميته في حياتنا‏.‏
وإذا كنا من جانبنا قد نختلف مع الأب متي المسكين حول رأي أو أكثر من الآراء‏,‏ التي قال بها‏,‏ إلا أننا نقول إن الرجل قد دخل تاريخ ثقافتنا المعاصرة من أوسع الأبواب وأرحبها‏,‏ ولا يمكن أن نتصور تاريخا لتلك الثقافة‏,‏ إلا إذا وضعنا في اعتبارنا مجهودات المفكر والعالم والذي يعمل في صمت وبدون كلل أو ملل‏.‏ لقد استحق التحية من الجميع‏,‏ استحق الثناء والإعجاب والتقدير من كل فرد من أفراد الإنسانية في كل زمان وكل مكان‏.‏

نقول ونكرر بأن الحديث عن الرؤية القبطية في الثقافة المصرية والعربية‏,‏ يعد موضوعا بالغ الأهمية خاصة في عصرنا الحالي‏,‏ العصر الذي امتزجت فيه ثورة العقل بهدوء النفس والروح‏,‏ العصر الذي يدعونا إلي النظر الي الثقافة من منظور الإنسانية العالمية‏,‏ وليس من منظور التفرقة بين أصحاب دين‏,‏ وأصحاب دين آخر‏.‏ لقد أصبح الكل في واحد‏,‏ وبحيث يسعي الجميع إلي إرساء دعائم الفكر الحر المستنير‏,‏ الفكر الإنساني والذي يتخطي حدود الزمان وحدود المكان أيضا‏,‏ بحثا عن الخالد والأزلي‏,‏ وبحيث يقول كل واحد في كل دين‏:‏ هذه آثارنا تدل علينا‏,‏ فانظروا بعدنا إلي الآثار والعبرة ليست في الخلاف‏,‏ بل في المحبة والوئام والاتفاق‏,‏ لأن الفكر نسيج يشارك في خيوطه أصحاب كل دين من الأديان‏.‏