من تاريخ كنيستنا
- 175 -


الكنيسة القبطية في القرن التاسع عشر
البابا كيرلس الخامس
البطريرك الثاني عشر بعد المائـة
في عداد بطاركة الكرسي الإسكندري
(1874 - 1927م)
- 6 -

«وأبواب الجحيم لن تقوى عليها» (مت 16: 18)

بعد هذه الأحداث بين ”العلمانيين“ وبين ”البابا كيرلس الخامس“، استقرَّت الأمور في الكنيسة في الأول من يوليو سنة 1893م (كما ذَكَرنا في الحلقات السابقة). وكانت أول خطوة اتَّخذها البابا بعد هذا الاستقرار، هي: إرسال الأرشيدياكون(1) حبيب جرجس في رحلة ذات أهمية خاصة، وهي أن يجمع ما يستطيع جَمْعَه من المال لتمويل المشروعات المُستَهْدَف تحقيقها. فتنقَّل هذا الخادم الأمين في مختلف البلاد، وعاد إلى البابا لتنفيذ هذه المشروعات، وهو يحمل في جعبته أحد عشر ألفاً من الجنيهات(2): نصفها من الأساقفة، والنصف الآخر من الشعب.

البابا كيرلس الخامس يفتتح الإكليريكية:

وما إن تسلَّم البابا كيرلس هذا المبلغ حتى افتتح المدرسة الإكليريكية في 29 نوفمبر سنة 1893م بحيِّ الفجَّالة، ثم نُقِلَت في السنة التالية إلى الدار البطريركية. ثم اشترى البابا داراً فخمة وسط حديقة مُترامية الأطراف في حي ”مهمشة“. وكان في رُكْن من أركانها بيتٌ، صَدَر الأَمر البابوي بإعداد طابقه الأعلى لنزول مطارنة إثيوبيا به حين يَفِدون إلى القاهرة. وقد اختيرت هذه البقعة من الأرض لقُرْبها من محطة ”السكك الحديدية“، ولكي يتسنَّى للطلبة الآتين من الوجهين البحري والقبلي أن يصلوا إليها بسهولة، حتى ولو اضطروا إلى السَّير على الأقدام للوصول إلى المدرسة الإكليريكية.

+ ولضمان حُسْن سير هذه المدرسة، عيَّن لها البابا كيرلس اثنين من أكثر الرجال تقوى ومعرفة بالأرثوذكسية، وهما: ”يوسف منقريوس“، و”حبيب جرجس“، اللذان بدآ كمُدرِّسَيْن. ثم تولَّى الأول رئاستها؛ وبعد نياحته، تولَّى إدارتها الثاني.

العلماء المشهورون الأوائل:

+ ومِمَّا يجدر ذِكْره، أنَّ ”حبيب جرجس“ كان طالباً ومُعلِّماً - في آنٍ واحد - بالمدرسة الإكليريكية. وبعد أن أتمَّ دراسته، ألقى عظته الأولى بكنيسة رئيس الملائكة غبريال بحارة السقَّايين، في حضور البابا كيرلس في ذلك اليوم. ولفرحة البابا بتخرُّج شمَّاسه وابنه المحبوب، أصغى إلى عظته، وهو واقفٌ طيلة إلقائها! وخلال وقفته، كان يُبارِك الشعب، ووجهه يتهلَّل فرحاً(3).

تعيين مزيد من الأساتذة:

+ واستكمالاً لهدفه، عيَّن البابا كيرلس ”إقلاديوس لبيب“ مُدرِّساً للُّغة القبطية، واستحثَّه على وَضْع قاموس قبطي - عربي. ولقد سجَّل ”يعقوب نخلة روفيلة“ هذه المأثرة للبابا الجليل، علماً بأن ”يعقوب نخلة“ كان في البداية من مُناصري المجلس الملِّي، وذلك بقوله: ”وفي هذا المقام يجب أن نثني الثناء الجميل على غبطة الأنبا كيرلس الخامس، فإنه لم يألُ جهداً في تشجيع هذا المؤلِّف وغيره في تعميم نًَشْر الكُتُب المفيدة“(4).

+ كما أنَّ ”إقلاديوس لبيب“ نفسه قد أثبتَ هذا الواقع عند طبعه كتاب: ”النحو القبطي“ الذي وَضَعَه وفقاً لمُقرَّر الدراسة في المدرسة الإكليريكية. وقد وَضَعَ على غُلاف هذا الكتاب تلك الكلمات: ”طُبِعَ بأمر قداسة الأب الكلِّي الطوبَى والاحترام الأنبا كيرلس الخامس بابا وبطريرك الكرازة المرقسية“(5).

حول ”اللجنة الملِّيَّة“:

+ ولقد كان الاتِّفاق الذي اختيرت بمقتضاه ”اللجنة الملِّيَّة“، ينصُّ على أنها تستمر في عملها لمدة خمس سنوات، تُجرَى بعدها انتخاباتٍ لمجلس ملِّي جديد. على أنَّ الرجال الأربعة الذين اختارهم البابا كيرلس، قاموا بواجباتهم بدقة وانتظام وبهدوء وتآلف، إلى حدِّ أن الجميع نَسَوْا هذا النص السالف الذِّكْر. وكان أعضاء اللجنة مُخْلِصين لأبيهم الروحي، يُطيعونه في كلِّ كبيرة وصغيرة، ويسترشدون بتوجيهاته الأبويَّة.

وَعي البابا كيرلس الخامس خليفة مار مرقس:

فالبابا كيرلس الخامس كان على وَعْي بمسئوليته وبواجبه، كما كان يحب أبناءه جميعاً محبة فيَّاضة، عبَّر عنها في الكثير من رسائله التي كَتَبها في مختلف المناسبات. وعلى سبيل المثال، كان يقول: ”أنتم موضوع تعزيتي، ولكم كل محبَّتي. أنتم مُصوَّرون فيَّ، ومرسومون في أحشائي، ومكتوبون في ذاكرتي، وأسماؤكم منقوشة على صدري، ليس بقلمٍ وحِبْر؛ بل بالمحبة في الروح القدس. فهل أستطيع أن أنساكم؟“(6).

عَطْف البابا على جمعية ”التوفيق“:

+ وفي هذه الآونة أيضاً وَضَح العطف البابوي على ”جمعية التوفيق“، إذ وَجَد فيها اهتماماً بافتتاح المدارس في مختلف الجهات، وخاصةً مدارس البنات. فقد زار قداسته الجمعية في مقرِّها الرئيسي بالقاهرة، كما شرَّف احتفالاتها. وفي أول زيارة قام بها، ”مَنَحها ما تستعين به على تأدية لوازم تلامذتها الفقراء، واعداً بالعودة إلى مثل هذا العمل، وبارَك على أعمالها“(7).

وهذه الشهادة ذات قيمة، خاصَّةً لأن ”يعقوب نخلة روفيلة“ الذي سجَّلها في كتابه، كان في بادئ الأمر من مُناصري خصوم قداسة البابا. وتقديراً لعودته إلى الحقِّ، نورد هنا التقريظ الذي كَتَبَه له بطرس أفندي حنا عبُّود (أستاذ اللُّغة الإنجليزية بمدرسة الفيوم الأميرية). وهذا نصَّه:

[إنَّ العلاَّمة المِفْضال ”يعقوب بك نخلة روفيلة“، إذ رأى الطائفة ينقصها هذا الأمر المُهم، أَلا وهو تدوين تاريخها على أَكْمَل وَجه، ورأى الحاجة إليه شديدة، والحاجة إلى الوقوف عليه لازمة أكيدة، كيف لا، والسواد الأعظم من مُتعلِّمي هذه الأُمَّة ليس واقفاً على شيء من حوادثها المُهمَّة، ووجود هذه الموانع إزاء هذه الغاية العظمى، ووقوف هذه الحواجز أمام هذا الغرض الأَسْمَى؛ لم تكن لتُثبِّط همَّة المؤلِّف الفاضل].

+ كذلك عقَّب ”جرجس فيلوثاؤس عوض“ على هذا المؤلِّف عينه، بقوله:

[لقد مضت السنون وأنا أتشوَّق لأن أرى لنا تاريخاً سياسياً، يُذكِّرنا بتلك الأيام الماضية التي قاوَم فيها أبناءُ أُمَّتنا القبطية المحبوبة الكوارثَ والبلايا، ولم تَخُرْ قُواهم أمام المنايا... غير أنَّ صاحب العزَّة الهُمام يعقوب نخلة روفيلة الأفخم، لم يَفُتْه أمر تشوُّق الأَُّمة إلى هذا التاريخ المُفيد، فصاغه بعد البحث الشديد].

سَرْد أعمال البابا كيرلس الخامس:

وقبل الاسترسال في سَرْد أعمال البابا كيرلس الخامس ومجريات الحوادث في عصره، نقف لنتأمَّل هذه السنوات الأولى من بابويَّته، كي نستطيع أن نتفهَّم الأسباب الدافعة لِمَا حدث.

+ فقد تسلَّم هذا البابا العظيم دفَّة الكنيسة في أواخر سنة 1874م. وكانت مصر تجوز آنذاك صراعاً نفسيّاً عميقاً في أعقاب نفي ”الخديوي“، وتولِّي ابنه ”توفيق“ الحُكْم؛ إذ كانت انجلترا وفرنسا قد تدخَّلتا في أمورها، بادِّعائهما حقَّ الإشراف على الميزانية المالية في مصر. وكانت كلٌّ منهما قد عيَّنت مندوباً ليكون مسئولاً عمَّا أسمياه: ”صندوق الدَّيْن“. وكان ”الخديوي إسماعيل باشا“ قد أنشأ مجلس شورى النوَّاب، قبل اضطراره إلى التنازُل عن العرش.

ومِمَّا هو جديرٌ بالذِّكْر أنَّ هذا المجلس كان المجال الذي نَمَت فيه الروح القومية، ومن خلاله تزايَد إدراك بعض أعضائه لمسئوليتهم عن جموع الشعب. فقد تكرَّر انتخابهم، ليس فقط في المجلس، بل وأيضاً في لجانه، وفي مختلف المهام المطلوبة من هذه اللجان. وكان هؤلاء الأعضاء مسئولين عن القرارات التي أصدرها المجلس خلال السنوات الحاسمة من سنة 1879- 1882م.

موقف البابا كيرلس الخامس:

+ لقد كان البابا كيرلس في مقدِّمة هؤلاء المصريين من الأقباط والمسلمين الذين ترهَّف وعيهم بمسئوليتهم الوطنية. فكان البابا عضواً في مجلس الشورى، وسانَدَ ”عرابي“ ورجاله في موقفهم ضد الخديوي وضد الإنجليز. وكانت مساندته للوطنيين مُشْتعلة، إلى حدٍّ أنه حين انهارت آمال مصر بدخول الإنجليز مصر، أعلن البابا كيرلس أنهم ليسوا فقط مجرَّد مُعتدين سياسيين، بل وقد خانوا مسيحيتهم، لأن المسيح عاش وعلَّم المحبة. وبالإضافة إلى ذلك، فهُم مَكْمَن خطر على الأقباط، نظراً لأطماع الكنيسة الأسقفية الإنجليزية ونشاطها التبشيري بين الأقباط(8)، ليضمُّوهم إلى طائفتهم!!

+ ومن هذا الموقف المصري الصارخ والصريح، نرى أنَّ هذا البابا القبطي المرقسي، قد جعل نفسه هدفاً لعداء المُسْتَعمِر وأعوانه.

+ ومن جهةٍ أخرى، يجب أن نذكر حقيقة مؤلمة، ففي نفس وقت رَفْض الأقباط احتلال الإنجليز مصر؛ إذا بالمصريين يُصيبهم الذهول، عندما رأوا ”عرابي“(9) توجَّه إلى التسليم (لغازي مصر)، ورأوا أعـلام انجلترا تُرفرف حيث كـان يجب أن ترتفع أعلام مصر. أمَّا المصريون فكان حماسهم مُلتهباً، وتآلفت قلوبهم جميعاً، مسلمين مع الأقباط واليهود، ضد الإنجليز!

+ ولمَّا أفاق المصريون من هذه الصَّدْمَة العنيفة، تجاذبهم تياران متضادان: تيار الاستسلام للأمر الواقع ومُمالأة الحاكم غير المصري؛ مقابل تيار الاعتزاز بالقومية المصرية، أقباطاً ومسلمين ويهوداً.

مُشايعة دُعاة التبشير بالمستعمر:

أمَّا من الناحية الدينية، فقد أعلن دُعاة التبشير بالمُستعمر بأنَّ مَن ينضم إلى طائفة مسيحية من طوائف المُستعمر، فسوف يتمتَّع بنظام الامتيازات.

موقف البابا كيرلس الخامس:

ولمَّا كان البابا كيرلس مُلتهب الوطنية، عميق الإيمان بالمسيحية الحقَّة؛ فقد قاوَم منذ البداية هذين العامِلَيْن. وبما أنَّ الله لا يَدَع نفسه بلا شاهد، فقد أتت الشهادة بهذا الواقع المُشرِّف من قول أحدهم:

[من الواضح أنَّ البطريرك الذي استُبعِدَ بأَمر المندوب السامي الإنجليزي (لورد كرومر) قد أَثبتَ - في النهاية - أنه سيِّد الموقف، واضطرت الحكمة العالمية التي استند إليها الحاكم السياسي الذي استعمر مصر أمام التأثير الكهنوتي القبطي برَفض المستعمر، أن يقول: ”لقـد عاد البطريرك (مـن المنفى) كعملاقٍ تجدَّد نشاطُه، وكعملاقٍ أيضاً استخدم نفوذَه“](10).

(يتبع)

(1) ”دياكون“ معناها ”شمَّاس“، و”أرشي دياكون“ معناها: ”رئيس شمامسة“.
(2) وهو ما يُساوي الآن ملايين الجنيهات.
(3) عن مقال للدكتور هنرى الخولي (من قدامى خُدَّام مدارس الأحد)، نَشَرَه في مجلة مدارس الأحد، عدد 5 من السنة الثالثة، أغسطس 1949، ص 5-10، بعنوان: ”المدرسة الإكليركية بين الماضي والحاضر“ لحبيب جرجس، ص 11 (طُبِعَ هذا المقال في 19/11/1938 بمناسبة مرور 45 سنة على تأسيس المدرسة).
(4) في كتابه: ”تاريخ الأُمة القبطية“، ص 326.
(5) طُبِعَ هذا الكتاب بكل أجزائه في مطبعة ”عين شمس“ بشارع كلوت بك بالقاهرة. وهنا نرى أيضاً أنَّ الأقباط، مع تقديرهم الكبير لقداسة البابا، فإن‍هم لا يتحدَّثون عنه إلاَّ بوصفه ”الأب“ وليس ”سيِّدنا“.
(6) عن مقال للدكتور وليم سليمان في مجلة ”مدارس الأحد“، سبتمبر 1949، ص 82-83، بعنوان: ”عشرون سنة أخرى من تاريخ المجلس الملِّي 1893-1913م“.
(7) يعقوب نخلة روفيلة، ”تاريخ الأُمة القبطية“، ص 374.
(8) طارق البشري، ”المسلمون والأقباط“، ص 400.
(9) هو أحد المصريين ذوي السُّمعة، ولكنه غيَّر وِجْهته بترحيبه بالغُزاة!
(10) كما كَتَبَ الكاتب ”ليدر“: ”واضحٌ أن البطريرك الذي أُبعِدَ بواسطة الإنجليز قد أثبت لنفسه أنه (أي الحاكم الإنجليزي) قد اضطرَّ أن ينحني أمام البطريرك القبطي (البابا كيرلس الخامس) بوقوفه ضد الاحتلال الإنجليزي“.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis