الافتتاحية


لزومية الآلام وسرقة الملكوت (1)

+++


للأب متى المسكين

الآلام هي سمة أساسية لتكميل الإنسان المسيحي والمسيحية عموماً، فلا يمكن أن يكون إنسان مسيحيًّا كاملاً أو نال الكمال المسيحي إلا بواسطة الآلام. «بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ» (أع 14: 22). هذه الترجمة ضعيفة والأصح حسب اللغة اليونانية هو: بضيقات كثيرة يتحتم أو لا بد، بتأكيد ملزم، أن ندخل ملكوت الله. وهذا بالنص ما قاله المسيح عن نفسه: «كَانَ يَنْبَغِي (يتحتم، لابد) أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ» (لو 24: 26). فالآلام لا بد منها لتكميل المسيحي بالخلاص في هذا الدهر وفي الدهر الآتي.

هناك آية في الرسالة إلى العبرانيين عن المسيح رئيس الكهنة الذي يبقى إلى الأبد يشفع فينا: «وَأَمَّا هذَا (المسيح) فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، لَهُ كَهَنُوتٌ لاَ يَزُولُ. فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ» (عب 7: 24، 25). وفي ترجمة أخرى: "هو قادر دائماً أن يحقق الخلاص".

فهنا في هذا الدهر يتكمَّل الإنسان بالخلاص يوماً فيوماً بواسطة الأحزان، أما تتميم الخلاص النهائي والكامل فهو هناك في السماء، حيث تنتهي الآلام والأحزان ويمسح الله كل دمعة.

فمنهج الخلاص المسيحي حسب الإنجيل والرسل والآباء والمسيح نفسه رئيس إيماننا ومكمله، لا بد ويتحتم أن يتكمَّل هنا بالآلام.

لقد سقط في جيلنا هذا منهج تكميل الخلاص بالآلام، وصار الخلاص مجرد نظرية أو تأمل عقلي يُفرِّح العقل ويلهب العواطف (هلليلويا، خلصت!)، بل صار الإنسان يتحايل في فصل الخلاص عن أية معاناة أو احتمال للألم. وهذا للآسف ما يقع فيه الإنسان ال عادي بل وحتى آباء الاعتراف والمرشدون الروحيون.

فمثلاً يذهب واحد إلى أب الاعتراف ويشتكي له أنه يعاني من ضيقات كثيرة وأنه أصابته خسارة مادية أو ظلم وهُضم حقه، فبدلاً من أن يوجهه أب الاعتراف التوجيه الصحيح بأن كل هذه الآلام هي ضرورية لتكميل خلاصه، وهي ضمن خطة وتدبير خلاصه، وبدلاً من أن يقوده للشركة في صليب المسيح وآلامه ثم في مجده، نجد أب الاعتراف يُخفف عنه ضيقاته ويُهوِّنها عليه، بأنه سوف يُريحه منها، أو يأخذ له حقه الذي ظُلم فيه، أو يرد له كرامته التي امتُهنت. وكأن أب الاعتراف لكي يصير في نظر الذين يعترفون عليه أبًا بمعنى الكلمة، ينبغي أن يدافع عن أولاده ويردَّ لهم كرامتهم وحقوقهم!!

هذا مفهوم خاطئ لمنهج الخلاص، به يُعوِّق أب الاعتراف أولاده عن تقبل احتمال الآلام، وبالتالي يُعوِّقهم عن الكمال المسيحي وتكميل الخلاص. فلابد من الآلام لتكميل الخلاص ونوال الكمال المسيحي والحياة المسيحية الكاملة.

كنت في بيت التكريس في حلوان، وكان يتردد علينا المهندس ميشيل (أبونا سلوانس، تنيح) ومرة كنت أتكلم عن ضرورة الآلام في حياة المسيحي، وأنه لا بد للإنسان أن يجوز الآلام حتى يصير مسيحيًّا كاملاً، فقال بضيق: وهل لا بد لنا من الآلام؟ قلت له: لا بد. فنظرت إليه فوجدته مال برأسه فظننت أنه كان يفكر في الأمر، إلا أنني لاحظت أنه نام من كثرة الحزن!

وكان معه في ذلك الوقت أخ آخر كان يعمل مدير بنك، تنيح الآن رحمه الله، هذا لما رأى أن الأخ ميشيل نام من كثرة الحزن والتأثر من كلامي على ضرورة الآلام في حياة الإنسان المسيحي، قال مفتخراً: إني متعجب من هذا، كيف تقول بضرورة الآلام في حياتنا وأنا شخصيًّا لم أعانِ قط من أي ألم، وحياتي تخلو تماماً من الآلام، فأنا سعيد مع أسرتي وناجح في العمل جدًّا ولي علاقات اجتماعية طيبة وكل شيء على ما يرام..! فقلت له: لا تتحدَّى المسيح، لا بد من الآلام والصليب. وإذا كانت حياتك الآن خالية من الآلام الآن كما تدَّعي، فإما أنك تتهرب من الآلام بكل وسيلة، أو أنك تغش نفسه وترشي الآخرين لكي لا تأتي عليك الآلام.

بعد هذا الكلام جاء في اليوم الثاني وألح جدًّا في مقابلتي لأمر هام، ولما قابلته أقر معترفاً وقال لي: بالفعل يا أبونا، كلامك صحيح جدًّا، وأنا أكبر غشاش، كنت أغش نفسىي أني سعيد خالي من الآلام. وكنت أرشي الآخرين بالهدايا والمال حتى لا تأتي إليَّ الآلام وأعيش بعيداً عنها. وأنا من اليوم سوف أكف عن ذلك وأتقبل الآلام وأحمل الصليب مهما كان الأمر. وبالفعل هذا الأخ المبارك لما بدأ يستفيق لمعنى الآلام كضرورة لازمة للخلاص، سعى بنفسه نحو الآلام، ومر بآلام كثيرة، وبعدها تنيح.

فالآلام ضرورة لتكميل الإنسان المسيحي وتكميل خلاصه.

إن تقبَّلت الألم يُرفع في الحال ثلاثة أرباع تأثيره الصعب، أما إن كنت تسعى نحو الألم وتستلذ وتفرح به، فيُرفع ويَفقد تماماً تأثيره عليك، وتسود أنت عليه.

هناك معادلة سرية عند الله يمكن بواسطتها أن يرفع الله الألم عن الإنسان ويتجاوز الإنسان الألم، وهي: تجاوز الألم بالآلام، أي تجاوز الألم الاضطراري بالألم الاختياري. بمعنى أن تقبل الألم طواعية بإرادتك، وتجري وراءه، فتتجاوز الألم الذي يسمح به الله بغرض اتضاعك، فالله يرسل إليك الآلام لتتضع، فإن تقبلتَ الآلام بنفسك من الآخرين، وجريتَ وراءها باتضاع، كفَّت عنك الآلام التي بسماح من الله. فمثلاً إن أتت عليك إهانة أو شتيمة وتقبلتها وسُررت بها باتضاع ومسكنة وانسحاق كأنك مستحق لأكثر منها، فللحال يرفع الله عنك الألم الاضطراري الذي أعده لك لاتضاعك.

هذه صناعة القديسين: تجاوز الألم الاضطراري بالألم الإرادي الذي كانوا يسعون إليه ويجرون وراءه ويشتهونه. القديسون لم يصيروا قديسين إلا حينما تجاوزوا آدميتهم وكرامتهم وماذا يقول الناس عنهم، فجروا وراء المهانة والمذلة والمحقرة بإرادتهم، فأحسوا وسطها بالفعل بالراحة والسعادة، التي هي أسمى من راحة وسعادة عرش المملكة، وبهذا ارتفعوا وسموا فوق آلام الدهر كله.

أمثلة:

+ الهبيلة المذكورة في بستان الرهبان، وكيف كان بتقبلها المهانة والمحقرة من الراهبات ومسرتها بها أنها ارتفعت وسمت فوق كل الآلام حتى أنها لم تَدِنْ قط من آلمها أو أهانها من الراهبات، بل وصفتهن بصفات فاضلة. وبهذا انتصرت على الآلام وصارت أسمى مرتبة في الروحيات من كل الراهبات جميعاً (بستان الرهبان، طبعة 2013، قول رقم 1225).

+ الراهب الذي ترك ديره لأنه اعتبر إخوته الرهبان آباء قديسين، وذهب يبحث عن دير يُشتم فيه ويُهان ليسرق الملكوت (بستان الرهبان، طبعة 2013، قول رقم 1031).

هناك فن يُدعَى فن سرقة ملكوت السموات، به سرق القديسون ملكوت الله.

والأمثلة في حياتنا كثيرة بلا حصر:

+ شخص يتهمك بأنك كذاب، فلا تدافع عن نفسك، ولا تدفع عنك هذا الاتهام، حتى ولو كان باطلاً وزوراً، بل تقول له أنا كذاب فقط؟ لا، أنت تحكم على الظاهر فقط، بل أنا في داخلي أيضاً غشاش ومنافق وعندي صفات كيت وكيت... هكذا فعل أنبا أغاثون حينما اتهمه البعض بمثل هذه الصفات باطلاً فلم يدافع عن نفسه بل أيَّد وقبِلَ بمسرة كل ما قيل فيه من أكاذيب.

ولكن إن دافعت عن نفسك وعن كرامتك بانفعال وغضب؛ فبدل من أن تسرق الملكوت باتضاعك، يسرق الشيطان منك الملكوت بدفاعك وتبريرك لنفسك في مثل هذا الموقف.

+ آخر يهينك ويشتمك، أما أنت كأنك لم تسمع شيء، وللحال تنحني وتقبل قدميه، فيخجل ويحتار جدًّا من اتضاعك، فتربح نفسه ونفسك، وبهذه الطريقة تسرق الملكوت.

+ أنا الذي أكلمكم بهذا اختبرت هذا وجربته في حياتي: مرة بعد ما أخرجنا الأنبا ثاؤفيلس من دير السريان بوشاية من البعض وكان له موقف عدائي نحونا، سمعت بعد ذلك أنه مريض بجلطة في قدمه فذهبتُ إلى الدير لأزوره لأنه كنت أقدِّره وأحترمه رغم كل ما حدث. فلما رآني الرهبان حدثت ضجة وسطهم وكانوا متأثرين من زيارتي هذه. وحينما دخلتُ على الأنبا ثاؤفيلس في قلايته قلت له: سلامتك يا سيدنا ماذا بك؟ فقال: أبونا (فلان)! أهلاً بك، إن قدمي تؤلمني جدًّا. فقلت له: أريد أن أرى مكان الألم، فكشف عن رجله الغطاء، فللحال قبَّلتُ قدميه بسرعة، وسط انذهاله وانذهال الرهبان من هذا الموقف، وخرجت من الدير وقد ربحت وكسبت كثيراً من مثل هذه الزيارة.

لقد قرأت ورأيت في حياتي نماذج رائعة من الآباء المُتضعين الذين اقتنوا بأعمالهم فن سرقة الملكوت: لأن « مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ (يُسرق)، وَالْغَاصِبُونَ (أي المتواضعون) يَخْتَطِفُونَهُ» (مت 11: 12).

فاغفروا لي، لأني لم أصر بعد راهباً بل قد رأيت رهباناً.

__________________________________________

(1) مقتطفات من حديث للأب متى المسكين بالساحل الشمالي يوم الأحد 28/ 7/ 1991.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis