دراسة الكتاب المقدس


مقدِّمات الأسفار
- 64 -

رابعاً: الأسفار النبوية
1. سفر إشعياء (6)
أقوال آبائية عن السفر (تابع):

26. هو إله وإنسان (انظر: إش 45: 14-16):

[لقد أعلن الأنبياء أنه هو إله وإنسان. إنه الله، هكذا يعلن إشعياء: ”سوف يسقطون أمامك، وسيتضرعون إليك، لأن الله فيك، ولم نكن نعرفه، إنه إله إسرائيل. سيخجلون ويخزون جميعًا من الذين يقاومونك، سترتبكون ... حيث أنه كان إنسانًا ...“ هكذا يتكلَّم إشعياء أيضًا، ويُرسل لهم الرب رجلًا يخلِّصهم، وبالقضاء يشفيهم» ](1) القديس لاكتانتيوس (260-330م).

27. «لِنَأْكُلْ وَنَشْرَبْ، لأَنَّنَا غَدًا نَمُوتُ» (إش 22: 13):

[هذه الرغبة الشديدة في تناول الطعام ليست مرغوبة. ففي إشعياء «لِنَأْكُلْ وَنَشْرَبْ، لأَنَّنَا غَدًا نَمُوتُ» (إش 22: 13). أيضًا في سفر الخروج: «جَلَسَ الشَّعْبُ لِلأَكْلِ وَالشُّرْبِ ثُمَّ قَامُوا لِلَّعِبِ» (خر 32: 6). وفي الرسالة الأُولى لأهل كورنثوس: «الطَّعَامَ لاَ يُقَدِّمُنَا إِلَى اللهِ، لأَنَّنَا إِنْ أَكَلْنَا لاَ نَزِيدُ وَإِنْ لَمْ نَأْكُلْ لاَ نَنْقُصُ» (1كو 8: 8). ومرَّة أخرى: «إِذًا يَا إِخْوَتِي، حِينَ تَجْتَمِعُونَ لِلأَكْلِ، انْتَظِرُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَجُوعُ فَلْيَأْكُلْ فِي الْبَيْتِ، كَيْ لاَ تَجْتَمِعُوا لِلدَّيْنُونَةِ» (1كو 11: 33 و34). وأيضًا في الرسالة إلى أهل رومية: «لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلًا وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ» (رو 14: 17). وفي إنجيل يوحنا: «أَنَا لِي طَعَامٌ لآكُلَ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ أَنْتُمْ ... طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ» (يو 4: 32 و34)](2) القديس كبريانوس.

28. مقياس النضج الروحي:

[عندما يقول: ”سأدعو عبدي ألياقيم (اسم ألياقيم يعني قيامة الله)، فإن كلَّ مَنْ هو مُمجَّد في بيت أبيه سيثق به (ألياقيم)“ (انظر: إش 22: 20). ولكن ما هو بيت أبي المسيح إن لم يكن هو الكنيسة؟ ومَنْ هو الممجَّد هناك؟ أولئك الذين وضعوا ثقتهم في المسيح، وهم ليسوا فقط أولئك الذين يُمجَّدون حسب حكم هذا العالم. على العكس من ذلك، قد يكونون أُناسًا صغارًا جدًّا وفقًا لهذا الحكم، ولكن الله عادل وغير متحيِّز، فهو يكافئ الجميع حسب مقياس نضجهم الروحي، فبعضهم في هذا الصدد آباء والبعض الآخر لا يزالون أطفالًا ومراهقين](3) القديس كيرلس الإسكندري.

29. «حَجَرَ زَاوِيَةٍ كَرِيمًا أَسَاسًا مُؤَسَّسًا» (إش 28: 16):

[إذن، أساس العدل هو الإيمان، لأن قلوب الأبرار تسكن في الإيمان. والرجل البار الذي يتهم نفسه يبني برَّه على الإيمان، لأن برَّه يتجلَّى عندما يعترف بالحق. هكذا قال الرب على لسان إشعياء: «حَجَرَ زَاوِيَةٍ كَرِيمًا أَسَاسًا مُؤَسَّسًا». هذا يعني أن المسيح هو أساس الكنيسة. لأن المسيح هو موضوع الإيمان للجميع، لكن الكنيسة كما كانت الشكل الخارجي للعدالة، فهي حق مشتركٌ للجميع](4) القديس أمبروسيوس.

30. حجر الربط:

[هذا هو حجر الزاوية الذي يربط بين الجدران ويعيد الوحدة بين شعبين، فيما يتعلَّق بما قاله الله عنها من خلال إشعياء: «هَأَنَذَا أُؤَسِّسُ فِي صِهْيَوْنَ حَجَرًا، حَجَرَ امْتِحَانٍ، حَجَرَ زَاوِيَةٍ كَرِيمًا أَسَاسًا مُؤَسَّسًا مَنْ آمَنَ لاَ يَهْرُبُ (لا يخزى)» (إش 28: 16)؛ فقد كانت إرادته أن يبني أكثر على حجر الزاوية هذا وغيره من أحجار الزاوية، حتى يتمكن الرسول بولس من القول بجرأة: «مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ (الرئيسي)» (انظر: أف 2: 20)](5) القديس جيروم.

31. لقد فُضَّ الختم الآن:

[إن كلَّ الأشياء التي قيلت من قبل في الناموس والأنبياء مختومة، وإنها لم تكن معروفة للناس، ويعلن إشعياء عندما يقول: «وَصَارَتْ لَكُمْ رُؤْيَا الْكُلِّ مِثْلَ كَلاَمِ السِّفْرِ الْمَخْتُومِ الَّذِي يَدْفَعُونَهُ لِعَارِفِ الْكِتَابَةِ قَائِلِينَ: ”اقْرَأْ هذَا“. فَيَقُولُ: ”لاَ أَسْتَطِيعُ لأَنَّهُ مَخْتُومٌ“ (إش 29: 11). كان من الصواب والضروري أن يتم ختم الأشياء التي تحدَّث عنها الأنبياء قديمًا إلى الفريسيين غير المؤمنين، الذين ظنُّوا أنهم يفهمون حرف الناموس، وينفتحون على المؤمنين. فالأشياء القديمة التي كانت مختومة، الآن، بنعمة الرب الإله كلها مفتوحة للقديسين](6) القديس هيبوليتس.

32. يمكن للقديسين فقط التسبيح:

[أولئك الذين يعيشون بالتقوى ويشاركون في مثل هذا الخير هم الوحيدون القادرون على إعطاء المجد لله، وهذا ما يُشكِّل حقًّا عيدًا ويومًا مقدَّسًا. لأن العيد ليس معناه أن ننغمس في الكثير من الطعام أو ارتداء الملابس الجميلة، ولا التمتُّع بأيام اللهو والفراغ. إنه الاعتراف بالله وتقديم الشكر وتراتيل التسبيح له. لكن هذا يخصُّ القديسين وحدهم الذين يعيشون في المسيح ... هكذا كان الحال مع حزقيال الذي تحرَّر من الموت ولذلك مدح الله قائلًا: «لأَنَّ الْهَاوِيَةَ لاَ تَحْمَدُكَ. الْمَوْتُ لاَ يُسَبِّحُكَ. لاَ يَرْجُو الْهَابِطُونَ إِلَى الْجُبِّ أَمَانَتَكَ. الْحَيُّ الْحَيُّ هُوَ يَحْمَدُكَ كَمَا أَنَا الْيَوْمَ. الأَبُ يُعَرِّفُ الْبَنِينَ حَقَّكَ» (حسب النص: إش 38: 18 و19)](7) القديس أثناسيوس.

33. «فَيُعْلَنُ مَجْدُ الرَّبِّ وَيَرَاهُ كُلُّ بَشَرٍ جَمِيعًا، لأَنَّ فَمَ الرَّبِّ تَكَلَّمَ» (إش 40: 5):

[يُقال إن الوديان قد امتلأت، لأن الرب دخل العالم، وفدى جميع الشعوب من عداوة إبليس، وأعادهم إلى الإيمان وعبادة خالقهم، وعلَّمهم الرجاء في الخلاص الأبدي. وهو يقول أيضًا: لأنه ملأ الوديان العميقة والكهوف الرهيبة، التي لا تستضيف أحدًا زهدًا في الحياة، الذين تركوا هموم هذا العالم، مكرِّسين أنفسهم بالتمام لإكرام الله وتسبيحه](8) القديس أفرام السرياني.

34. «أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلًا لإِلهِنَا» (إش 40: 3):

[بحسب تعليم الرب الواضح، فإن طريق الملك سهل وسلس، على الرغم من أنه قد يكون صعبًا وخشنًا. لأنه بالنسبة لأولئك الذين يخدمونه بأمانة وإخلاص، عندما يأخذون عليهم النير الذي من الرب تعلَّموه، وعلِموا عنه أنه وديع ومتواضع القلب، وفي الحال، بطريقة أو بأخرى، يضعون جانبًا عبء الأهواء الأرضية ولا يجدون سوى راحة لأرواحهم من خلال هبة الرب. هذا الذي يشهد عليه بلسان إرميا النبي قائلًا: «قِفُوا عَلَى الطُّرُقِ وَانْظُرُوا، وَاسْأَلُوا عَنِ السُّبُلِ الْقَدِيمَةِ: أَيْنَ هُوَ الطَّرِيقُ الصَّالِحُ؟ وَسِيرُوا فِيهِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ» (إر 6: 16). فإنها لهم تكون حالًا الطرق المعوجَّة مستقيمة والطرق الوعرة سهلة، وهكذا ”يذوقون وينظرون ما أطيب الرب“ (انظر: مز 34: 8). وعندما سمعوا المسيح ينادي في الإنجيل: «تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ» (مت 11: 28)، سيضعون جانبًا ثِقَل خطاياهم، ويدركون ما يلي: «لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ» (مت 11: 30). وهكذا يتحققون أن طريق الرب هيِّنٌ إذا حفظوا وصاياه حسب تعاليمه](9) القديس يوحنا كاسيان.

35. ”فَيُرَى مجد الرب، ويُبصر كل بَشَرٍ خلاص الله“ (انظر: إش 40: 5):

[أريد أن تحصل أعجوبة الخلق على هذا القبول الكامل منك، أينما وُجِدَت وأيّ نوع من النباتات التي قد تصادفها، قد تتلقى تذكيرًا واضحًا بالخالق ال‍مُبدِع. أولًا، إذن، عندما ترى نباتًا عشبيًّا أو زهرة، فكِّر في الطبيعة البشرية، متذكِّرًا المقارنة التي قالها إشعياء الحكيم إن: ”كل جسد كعُشبٍ، وكل مجد البشرية هو زهرة العُشب“ (انظر: إش 40: 6 و7). فإنه لِقَصِيرِ العُمر واللذَّة الدائمة وفرح السعادة البشرية، وُجدت مقارنة ملائمة في كلمات النبي. واليوم هو قويٌّ في الجسد، ونما من الأطعمة الشهية، مع بِرِّةٍ تُشبه الزهرة، في أَوَجِهَا، وفي الحياة منتعشةً ومتلهّفة ... أمَّا غدًا فهذا الشخص نفسه شريرٌ أو ضائع مع تقدُّمٍ في العمر أو ضعيفٍ بسبب المرض](10) القديس باسيليوس الكبير.

36. الكلمة تبقى إلى الأبد:

[أي تقدُّمٍ، إذن، يكون للخالد أن يلبس الفاني؟ أو ما هي الترقية التي تكون للأبدي أن يتَّحد بالزمني؟ وأية أجرة عظيمة للرب والملك الدائم في حضن الآب؟ ألا ترى أن هذا أيضًا قد تَمَّ وكُتِبَ بسببنا ومن أجلنا، أن الرب، بعد أن أصبح إنسانًا، قد جعلنا خالدين، نحن الزائلون والزمنيُّون، لكي يدخلنا إلى ملكوت السماوات الأبدي؟ ألا تخجلوا أيها الأريوسيون، أن تتكلَّموا بالكذب على الوحي الإلهي؟ لأنه عندما كان الرب يسوع المسيح بيننا، تمَّ ترقيتنا حقًّا، كما تمَّ إنقاذنا من الخطيئة، لكنه هو نفسه، لم يتغيَّر عندما صار إنسانًا، كما هو مكتوب: «وَأَمَّا كَلِمَةُ إِلهِنَا فَتَثْبُتُ إِلَى الأَبَدِ» (إش 40: 8). ومن المؤكد أنه قبل أن يصير إنسانًا، أعطى الكلمةُ للقديسين الروحَ كأنه يخصه. وهكذا أيضًا عندما صار إنسانًا، قدَّس الجميع بالروح القدس، وقال لتلاميذه: «اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ» (يو 20: 22)](11) القديس أثناسيوس الرسولي.

(يتبع)
__________________________________

(1) St. Lactantius, Epitome of the Divine Institute ANF 7:239.

(2) St. Cyprian, To Quirinus 3.60, CCL 3:130-51.

(3) St. Cyril of Alexandria, Commentary on Isaiah 22.10-14, PG 70:517-18.

(4) St. Ambrose, Duties of the Clergy 29, NPNF 2.10:24.

(5) St. Jerome, Commentary on Zechariah, 3.14.10-11, CCL. 76A:887-88.

(6) St. Hippolytus, Fragments from Commentary on Daniel 2.19, ANF 5:181.

(7) St. Athanasius, Festal Letter 7.3., NPNF 2.4:324.

(8) St. Ephrem the Syrian, Commentary on Isaiah 40.4, ESOO 2:86.

(9) St. John Cassian, Conferences 24.25, NPNF 2.11:543.

(10) St. Basil the Great, Homilies on the Hexameron, 5.2, NPNF 2.8:76-77.

(11) St. Athanasius the Great, Discourses against the Arians 1.12.98, NPNF 2.4:334.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis