تأملات روحية


المسيحي مواطن سماوي
للقديس أنبا مقار الكبير


هذه رسالة عن ”السلوك المسيحي“ اكتُشفت حديثًا في المخطوطات السريانية(+). ويلاحظ القارئ سهولة أسلوبها وأنها تصلح للجميع، وأن قديسنا الطوباوي ( = مكاريوس) يأخذ فيها بيد المبتدئ ودون أن يشعر يقوده حتى بداية طريق الكمال.

المسيحي ليس من هذا العالم:

ينبغي على المسيحي أن يحسب نفسه غريبًا عن الخطية التي تثور في أيّ من أعضائه وتلتصق بجميع الأعضاء البريئة(1). إذا كانت عين الإنسان سليمة ونظره قويًا ولكن إحدى قدميه أو يديه مجروحة، فإن اثنين من أعضائه يكونان بصحة جيدة، ولكن يكون في الأعضاء الأخرى مرض. وهذا الإنسان لا يتمتع بالصحة الكاملة في جسده كله، وهكذا فإنه على المسيحي أن يكتسب صحة في كل أعضائه.

إن سر المسيحي ومعرفته وسلوكه كلها تكون غريبة عن هذا العالم، ولهذا السبب فإن معظم الناس لا يعلمون ذلك. إن المسيحية هي شيء غريب بالنسبة لأصحاب الصنائع الماهرون والبناؤون والتجّار والفلاسفة الذين نراهم في العالم. فلنفرض أن جميع سكان إحدى المدن الكبيرة ينتمون إلى أصل واحد عظيم، فكلهم أمراء أو جميعهم أغنياء؛ ثم حدث أنهم تفرقوا جميعًا إلى مقاطعة مختلفة. فإن سكان تلك المناطق سيعتبرونهم برابرة، في حين أنهم هم وحدهم يمكنهم بالنظر أن يتعرفوا بعضهم على بعض وأن يعلموا أنهم يتكلمون نفس اللغة وأنهم مواطنو نفس المدينة.

هكذا أيضًا المسيحيون فإنهم مواطنو مدينة غريبة عن هذا العالم. إنهم مواطنون ذوو أعمار مختلفة وحكمتهم مختلفة عن حكمة العالم، والروح الساكن فيهم هو أكثر سموًّا ونسبهم سماوي وغناهم دائم وثروتهم أبدية. مشيئتهم متفقة مع مشيئة ربهم وفكرهم هو فكر المسيح (1كو2: 16). إنهم أبناء نور وأبناء خدر العُرس الحقيقي، أبناء راحة، أبناء العهد الجديد!

إن لغة الأمور الأبدية الجديدة غير الفانية هي لغة مختلفة تمامًا. فمثلاً أي ملك أو فيلسوف من هذا العالم هل يكون مطّلعًا بإيمان على لغة الحياة؟ وهل يُشارك في الحكمة الحقيقية التي هي أكثر سموًّا من السماء والأرض؟ من هو الذي من أمثالهم أمكنه حقًّا أن يعرف بالكلام والعمل أن كل الأمور المرئية في هذا العالم إنما هي سراب يخدع العيون؟ لأنه لا يمكن لإنسان أن يعطي ظهره للعالم ويدخل في الحياة الحقيقية إلاّ إذا سار في الدروب الوعرة!

الخطية والانحراف الخادع:

كما أن الضباب له وزن ثقيل على الهواء، هكذا أيضًا قد ملأَتْ قوة الخطية قلب آدم، وهي أيضًا تشبه الدخان الجاثم فوق إرادتنا. ورغم أن محبي الحق يشنون الحرب على هذا الدخان فهم لا يصبحون مشاركين في النصيب الصالح في الحال، بل فقط بعد تمرين وعرق كثير. إنهم يتفوقون على أولئك الذين لا يجاهدون على الإطلاق، ومع ذلك فإنهم عندما ينالون قليلاً من الراحة ينتفخون بالكبرياء ويظنون أنهم قد بلغوا إلى الحرية والكمال، غير مدركين أنهم قد خُدعوا.

لا يوجد شيء مهلك للإنسان المسيحي مثل الكبرياء. بالكبرياء وجدت الحيّة فرصةً لتخدع آدم بأن وعدته أنه سيصير إلهًا (تك3: 5)، كما «يُقَاوِمُ اللهُ الْمُسْتَكْبِرِينَ» (يع4: 6). أما المسيحي فعلامته الحقيقية هي: أن يُطعم الجياع ويروي العطاش وأن يتحمل الجوع والعطش، وأن يكون مسكينًا بالروح متضعًا وحقيرًا في عيني نفسه، وأن يتوسل إلى الله نهارًا وليلاً أن يثبت راسخًا في الحق. أما إذا بدا لإنسان أنه مكتفٍ وغني وليست له حاجة إلى شيء فهو مشاركٌ في النصيب المخادع. والرسول يلوم الناس الذين من هذا النوع بقوله: «قَدْ شَبِعْتُمْ! قَدِ اسْتَغْنَيْتُمْ!» (1كو4: 8)، والرب يقول: « وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الأَغْنِيَاءُ» (لو6: 24)، وويلٌ لكل الذين يظنون في أنفسهم أنهم شيئًا (انظر غل2: 6).

التقلُّبات في حياة الإنسان:

تحدث في كل إنسان تغييرات كما تحدث تمامًا في الجو. ففي وقت يكون برد وسريعًا بعد ذلك يصير حــّر، ثم ربما يتبع ذلك نزول بَـــرَد وبعد قليل يصير الجو صحوًا. هذه هي الطريقة التي نتدرَّب بها: ففي وقت توجد حرب وفي وقت آخر تعيننا النعمة. أحيانًا تثور على نفس الإنسان عاصفة وأمواج عنيفة، وفي أحيان أخرى يحدث تغيير وتُعضَّد النفس بالنعمة وتمتلئ بفرح القلب وسلام الله وبأفكار عفيفة مملوءة سلامًا. وإذا حدث بعد ذلك أن ضغطت علينا أحداث محزنة فلا ينبغي أن نحزن، وكذلك في وقت الراحة التي تمنحنا إياها النعمة لا يجب أن نفتخر، ولكن في وقت الفرح فلنتوقع الضيق وفي وقت الضيق فلنتوقع المعونة، وبذلك نجعل طريقنا سهلاً. أما الإنسان الذي ينحرف عن هذا الطريق فيصير فريسةً للذئاب!

أيها الإنسان العاقل، لا تتعجب إذا قاسيتَ ضيقًا ممن يسكنون معك، لأنك تعلم أن هذا هو عمل الشياطين. إن قيافا الذي صلب ربنا جلس على كرسي موسى الذي كرّمه ربنا جدًّا (انظر مت23: 2). كما أن الأنبياء اضطُهدوا من بني جنسهم. وقد عبرت رئاسة الكهنوت من موسى إلى ربنا ومنه إلى الرسل ومنهم إلى كنيسة الله حيث إن الكهنوت الحقيقي يخص الكنيسة. وها هي الكنيسة الآن تمنح معمودية الروح والنار (مت3: 11) وختان القلب (رو2: 29) حيث يستقر الروح السماوي ويسكن في الذهن.

طالما نحن في هذا الجسد فلا ينبغي أن نكون بدون جهاد (مثل إنسان ليس له اهتمامات)، لأن كفاءة حرية إرادتنا إنما هي مخضَعةً للخوف حتى نصل إلى مدينتنا الأبدية. وهناك سنكون بلا أي تعب أو تجربة، لأنه لا توجد هناك حاجة إلى القلق كما أنه لا توجد ضيقات، ولا توجد شيخوخة ولا يوجد شيطان، لا توجد حروب ولا خوف بل فقط راحة وفرح وسلام.

ها هو الفادي يدعونا:

لقد دُعيَ ربنا فاديًا لأنه أسلم نفسه للموت نيابةً عن طبيعة البشر العاقلة، وفدانا كلنا من العبودية. كما أنه أيضًا سُمّيَ شافيًا لأنه شفانا بعقار سماوي وشفانا من أوجاع نفوسنا. يسوع المسيح هو ملكنا وإلهنا، أما الشيطان فهو طاغية وهو المدبّر لكل شرورنا.

يدعوننا الله وملائكته إلى الحياة، أما الشرير وجنوده فيرغبون في هلاكنا. وها هي النفس تقف بين هذين المعسكرين وتصير ملكًا للجانب الذي تميل إليه مشيئتها. إن الأب عندما يرسل ابنه إلى مدينة بواسطة طريق سيواجه فيه الوحوش، يزوّد ابنه بجرعات سامة ليقتل بها الوحوش التي تهاجمه، هكذا الحال معنا أيضًا. هلموا، إذن، نحمل الآلام لكي ننال الجرعة السماوية التي تشفينا وتمنحنا حياة وتقتل أوجاعنا (أي شهوات نفوسنا) وتطرد عنا الأرواح الشريرة. ليس من السهل أن يكتسب الإنسان نقاوة القلب. فهذا لا يتحقق إلاّ بالجهاد وكثرة الكفاح الذي ينقّي القلب ويعطي الإنسان ضميرًا صالحًا ويستأصل منه الشرور بالكلية.

النعمة تعضد القلب، ولكن إذا أصبح الإنسان متكبرًا فهو يسقط، لأنه لا يعلم أنه طالما هو في هذا الجسد تكون معه رائحة الخطية. لقد أرضى كل الأبرار الله بسيرهم في الطريق المستقيم والضيق. إبراهيم كان غنيًّا أمام الله وأمام الناس، ومع ذلك فقد سَمَّى نفسه ”تراب ورماد“ (تك 18: 27). وداود النبي قال: «أَمَّا أَنَا فَدُودَةٌ لاَ إِنْسَانٌ. عَارٌ عِنْدَ الْبَشَرِ وَمُحْتَقَرُ الشَّعْبِ» (مز22: 6). وقد تحمّل الأنبياء والرسل التعييرات والبلايا.

المسيح اتضع وتألم من أجلك فكم بالحري أنت:

ربنا نفسه الذي هو ”الطريق“ (يو14: 6) لم يأتِ لأجل نفسه بل لأجلنا لكي يصير مثالاً لنا. الملك وابن الملك، الإله وابن الإله وضع نفسه وأخذ شكل العبد (في2: 7) وهو الإله، وقد منحنا دواءً شافيًا وشفانا من جراحاتنا. احتقره اليهود عندما رأوه في هيئة متواضعة مشابهةً لنا، ويؤلمني جدًّا أن أتفكر في اللحظة التي صرخوا فيها: « اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!» (لو23: 21) عندما تجمهر ضده الشعب الهائج. لقد أُذلَّ رب الجلال وجُحد من الكل. لقد حكم عليه القاضي بالموت كفاعل شر وأبغضه الشعب كله. لقد سمع كلام السخرية من كل اتجاه، من الفريسيين ومن كل الناس. كما أن القلب يتألم عندما يتفكر كيف أنهم بصقوا على وجهه وتوّجوه بإكليل من الشوك ولطموه على خدّيه كما هو مكتوب: «بَذَلْتُ ظَهْرِي للسياط، وَخَدَّيَّ للطم ولم أرُدّ وَجْهِي عن خزي البُصَاق» (إش50: 6 سبعينية)(2).

فإذا كان الله شاء أن يقبل وأن يضع ذاته لمثل تلك الآلام والمخازي والمذلّة، فمهما وضعتَ أنت ذاتك جدًّا أيها الذي من الطين طبيعتك وخاضعة للموت، فإنك لن تشابه سيدك في هذه الآلام إطلاقًا! من أجلك وضع الله ذاته، أما أنت فلا تحقِّر ذاتك من أجل نفسك! إنك متكبر ومنتفخ. لقد جاء الإله ورفع عنك حملك الثقيل ليمنحك راحته، ولكنك لا تريد أن تتحمل الأتعاب والآلام، في حين أنه بأتعابك تُشفَى من جراحاتك!

هل تُقدِّر النعمة التي تملكها؟

ليس كل إنسان يستطيع أن يميّز الحجارة الكريمة. فكثير ممن يمتلكون اللآلئ وهم مجرّدون من التمييز لا يعرفون عظم الكنز الذي يمتلكونه. ولكن البصيرون والحكماء يعرفون كيف يميزون بين قيمة كلٍّ من العملات الذهبية والأخرى المزورة. هكذا يوجد بين الإخوة البعض ممن ترافقهم النعمة رغم أنهم لا يعلمون أن هذه النعمة عاملة فيهم، ولا يدركون ما الذي يدفعهم إلى الصلاح في أعمالهم الفاضلة لأنهم لا يرون ولا يشعرون بما يمتلكونه.

الحكماء يصلّون ليس فقط في وقت الصلاة بل في كل الأوقات هم مجتهدون في الصلاة، لأن القتال مع الشر لا هوادة فيه، ودخان الخطية يثور باستمرار، ومثل الماء من الينبوع هكذا الأفكار تنبع في النفس. كن مستعدًا لمقاومة الأفكار ليس فقط عندما تصلّي بل أيضًا أثناء كل عمل من أعمالك وحتى أثناء نومك. إذا رأيتَ إنسانًا غنيًّا في العالم ففي الحال يهمس لك فكرك بأنه إنسان ذا صيت عظيم، ولكن عليك أن تنقض هذا الفكر قائلاً: ”إنه كائن فاسد“، ثم أظهر للفكر أن اهتمامك هو بالغِنَى الأبدي غير الفاني. وأيضًا إذا أشار لك الفكر إلى امرأة جميلة ويثير فيك شهوة نحوها فقُل له: ”هذه هي النجاسة التي تؤدّي إلى الهلاك، وها هي القبور مليئة بعظام الموتى“. وإذا رأيت أشياء رائعة في العالم، مثل المباني والمدن، فعليك أن تتأمل في بناء نفسك كل حين، فينبغي أن تكون متيقظًا بذهنك وإرادتك لصدّ هجوم الخطية الساكنة فيك.

صلِّ لله قائلاً: ”أتوسل إليك يا ربي أن ترحمني“، وافعل ذلك بدون انقطاع حتى أثناء سيرك وعندما تأكل. عندما يسكن الصلاح في إنسان فصلاته لن تكفّ لأن الروح يصلّي فيه على الدوام، وهذه هي درجة العظماء والكاملين.

قوة التجربة والخطية، ومطر النعمة:

المجرِّب يحب أن يجرّب الإنسان ولكي يعرف ما هو مزمعٌ أن يفعل. إنه يدبر له التجربة لأنه لا يعرف ما إذا كان سيُصغي إليه أم لا، وذلك حتى تسلّم النفس إرادتها له. إننا لا نقول إن الشيطان يعلم كل أفكار القلب. افترض أن شجرة لها فروع كثيرة، فالإنسان يمكنه أن يقبض على فرعين أو ثلاثة منها فقط، أما الفروع الباقية فتفلت منه، وهكذا أيضًا النفس لها أعضاء كثيرة مثل فروع الشجر وهي الأفكار والخواطر، والشيطان لا يمكنه أن يعلم إلاّ القليل منها، أما الباقية فلا يستطيع حتى أن يلاحظها.

من ناحية واحدة تُعتبر الخطية أقوى منا، وذلك عندما تنبع فينا الأفكار الشريرة. ولكن من ناحية أخرى فإن الله يعيننا من خلال نسكنا وصلاتنا إن كنا نصرخ للرب بحب ملتهب حتى يجعلنا مستحقين أن نحمل ثمار الحب والإيمان بإنجيل الرب، وأن نطلبه ونقترب إليه. في العالم المرئي يفلِّح الفلاح التربة، ولكن إذا لم يروِها المطر من فوق فإن تعب الفلاح في الأرض لن يُجدي نفعًا. هكذا أيضًا في الزراعة الروحية، فالإنسان عليه أن يفلّح تربة قلبه بأن يكدّ بملء إرادته لأن الله يُسرّ بأتعاب الإنسان وثماره؛ ولكن مع ذلك إذا لم تسكب السحب السماوية من فوق أمطار النعمة فإن تعب الإنسان بأكمله لن يُجدي نفعًا.

«مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ» (لو17: 10):

الإنسان المسيحي حتى لو عمل بكل ما أُوصي به، كل البر، فعليه أن يعتبر أنه لم يفعل شيئًا (لو17: 10). فعندما يصوم بطريقة شاقّة ينبغي أن يعتبر أنه لا يصوم، وعندما يصلّي فكأنه مثل من لا يصلّي، وعندما يواظب على الصلاة فكأنه مثل من لا يفعل ذلك. وعليه أن يثبّت هذا الفكر في روحه: أنه فقط مجرد مبتدئ في جهاده وأنه ليس بارًّا أمام الله بل هو مثل إنسان يبدأ من جديد كل يوم. وإن كان يحتقر نفسه إلاّ أن قلبه يكون ممتلئًا بالرجاء والفرح وانتظار الملكوت والخلاص، متأملاً في أنه ”إن كنتُ اليوم لستُ مفديًّا من ديْن خطاياي، فسوف أُفتَدى منه بالنعمة غدًا!“

الإنسان الذي يزرع كرمًا يحسب أولاً في ذهنه الحصاد والضريبة التي سيدفعها للدولة والنفقات التي ينبغي أن يدفعها من أهل بيته، ثم يشرع في العمل. هكذا الحال أيضًا معنا، فنحن نتحمّل آلام الطريق الضيق على رجاء خلاصنا وحتى نُحسَب مستحقين للحياة الأبدية، لأنه بدون الرجاء والفرح يصير حِمل الأتعاب ومشقة المحن والتجارب والصبر ثقيلة الوزن علينا.

بالتعب والجهاد ننال الخلاص:

كما أن العصا المشتعلة لا يمكنها أن تفلت من النار، هكذا أيضًا النفس لا تستطيع أن تفلت من الموت إلاّ بالتعب والجهاد. والشيطان معتادٌ بصفة خاصة أن يخدعنا تحت مظهر الأفكار الصالحة، وهو يؤكد لنا أنه بمثل هذه الأمور التي يقترحها علينا سنُرضي الله، وبذلك يخدعنا ويمنعنا من أن نكون على دراية بخداعه لنا، وهكذا يصطادنا بفخاخه المهلكة. لذلك فمن النافع للبطل المجاهد في حياة النسك والذي يناضل في الصراع أن يتعمق في أفكار قلبه ويُشنّ بشجاعةٍ حربًا مع خداع الشيطان لكي يمتحن أوجاع النفس التي يثيرها فيه، وأن ينبذ حتى ذاته، وأن يكون غاضبًا جدًّا على الشهوات التي تحاربه ويعنّفها، وأن يقف مبارزًا ضد أفكاره ويصارع مع نفسه.

إن كنتَ في الأشياء المادية تحفظ جسدك من الفساد ومن الزنى الخارجي، ولكنك تزني بداخلك أمام عيني الله فإنك تزني بواسطة أفكارك، فإن بتولية جسدك لن تنفعك بشيء. عندما تنزلق عذراء وتفقد عذراويتها فإن عريسها يتبرّأ منها. وهكذا أيضًا النفس إذا زنت بأفكارها مع الحيّة فإن المسيح عريسها يتبرّأ منها: «كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ» (مت5: 28). فإذا وافق القلب على أي فكر شرير فإن الإرادة تتممه. واضحٌ هو زنى الجسد لأنه يتم مع نساء، أما زنى النفس فهو مخفي لأن النفس تزني مع الشيطان بكل الأهواء الخاطئة. إن النفس يمكنها بمشيئتها أن تكون ابنة لله وأختًا لملائكته أو ابنة للشيطان وقواته. وإذا زنت بأهوائها مع الشياطين تكون متغربةً عن العريس السماوي.

لذلك، فلنغصب أذهاننا على أن تلجأ إلى التحدث مع المسيح. إن المكان الهادئ (في هذا الملجأ الآمن) ليشبه جمال الربيع. إنني أعرف كثيرين ممن بلغوا إلى إجراء المعجزات وسُبيت أفكارهم إلى السماء، ولكنهم لما تباهوا بغنى النعمة استخفوا بالصلاة فسقطوا إلى أسفل أجزاء الأرض وإلى هوة الخطية. ولقد أصابهم ذلك لأنهم أولاً: فصلوا أنفسهم من شركة الإخوة. وثانيًا: لأنهم صلّبوا رقابهم إذ امتلأوا بالكبرياء وتصوروا أنهم أصبحوا كاملين. وثالثًا: لأنهم عاندوا بطرق مشيئتهم الخاصة، ثم أهملوا الصلاة وتجاسروا أن يكونوا معلّمين لآخرين مفترضين في أذهانهم بجراءة أنهم قد بلغوا إلى شيء وتصوروا أنهم هم وحدهم الكاملين. ولكن لما ثارت عليهم العاصفة أخيرًا ابتلعتهم أمواج هائلة.

إن الإنسان الذي يتمسك بالحق هو المتضع الحقيقي، وهو لا يدين الآخرين مهما كانوا خطاة أو وثنيين أو يهودًا، ولكنه يكون متيقظًا في إدراك ذهنه لئلاّ يسقط في شَرَك أعمالهم لأنه يعلم أنهم مشلولون. ها هو الحق يملك الآن في الكنيسة وهي التي ينتمي إليها الكهنوت الحقيقي.

__________________________________

(+) نشرها دير التجلّي لليونان الأرثوذكس في بوسطن بالولايات المتحدة ضمن ملاحق كتابه الممتاز عن ميامر مار إسحق السرياني ص 454. ويذكر أنه قد وُجدت لهذه الرسالة في المخطوطات عدة عناوين أحدها هو: ”الرسالة السريانية الثانية عشر للقديس مقاريوس المصري“. والعناوين هي من وضع المترجم.

(1) «احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطية ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا. إذًا لا تملكن الخطية في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته ولا تقدموا أعضاءكم آلات إثم للخطية بل قدموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات وأعضاءكم آلات برّ لله» (رو6: 11-15).

(2) وهو نفس التعبير الذي أخذه عنه القداس الغريغوري.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis