من تعاليم الآباء


قيامة المسيح
للقديس يوحنا ذهبي الفم
(354-407م)
- 1 -

مُقدِّمة:

الذي يُطالع أعمال القديس يوحنا ذهبي الفم، يلمح كيف يُحاول بقوَّة أن يُرسِّخ عقيدة القيامة، سواء ما يتعلَّق بقيامة المسيح أو بالقيامة العامة، في أذهان سامعيه. هذا الاهتمام الشديد من قِبَل ذهبي الفم يدلُّّ على أَمرَيْن: أولهما: إنها عقيدة مُهمَّة وخطيرة تحتاج لمثل هذا الجهد المبذول، لأنها تتعلَّق بالإيمان المسيحي ككلٍّ؛ وثانياً: إنها ليست سهلة التصديق، وأن الإنسان الطبيعي يجد صعوبة في قبولها. ولكن لأن هذا القديس كان بطبيعته راعياً أميناً، لذا كان يَعتَبِر الوعظ أحد واجبات الكارز المسيحي. ولأنه كان كاهناً، فكان يتجلَّى كهنوته في الكلمة والإقناع. ”الملوك يأمرون، وخُدَّام المسيح يُقنعون؛ أمَّا الله نفسه، فهو يدعو ويُقنع ولا يُجبر“. فلذلك تُستَعلَن قدرات هذا القديس في إقناع سامعيه بالحجَّة القويَّة المُستندة على الحـقِّ الإلهي، وليس على المنطق الجدلي.

أولاً: قيامة المسيح

استعلان قوَّتها في حياة التلاميذ:

برهان القيامة يعتمد أساساً على قوَّتها وقدرتها على تغيير الإنسـان ورفعه فوق ضعفه البشري وقصـوره إلى قمـم الشهادة والاستشهاد، كمـا استُعلِنَت في حياة الرسل وتلاميذ المسيح. والدائرة الأولى التي عملت فيها هذه القوة هي ”إخوة الرب“ الذين قال عنهم يوحنا الإنجيلي: «لأَنَّ إِخْوَتَهُ أَيْضاً لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِهِ» (يو 7: 5).

+ وفي هذا يقول القديس يوحنا ذهبي الفم:

[أولئك الذين لم يؤمنوا به أولاً، صاروا (بعد ذلك) مـن أجله فُضـلاء وعظمـاء... فلما صعـد بولـس (الرسـول) إلى أورشليم مع رفقائه بخصوص المجمع (أع 15: 4؛ 21: 8) دخلوا مُباشـرةً إلى يعقوب (أخي الرب)، إذ كـان معروفاً بفضله حتى أنـه أول مَـن اؤتُمِـن على الأسقفية. وقيل عنه إنـه أَسلم ذاته إلى تقشُّفاتٍ صعبة حتى ماتـت أعضاؤه كلهـا بسـبب صلواتـه المستمرة وركعاتـه الـدائمـة على الأرض، وصـارت جبهتـه غليظـة مثـل رُكبـة الجَمَل، وهـذا بسبب تلامُسها الدائم على الأرض(1).

هذا الفاضل وجَّه بولس حين صعوده إلى أورشليم قائلاً: «أَنْتَ تَرَى أَيُّهَا الأَخُ كَمْ يُوجَدُ رَبْوَةً مِنْ الْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا» (أع 21: 20). هكـذا بلغ فهمه وغيرتـه، بـل قُلْ هي قوَّة المسيح الذي فيه.

فالذيـن كانوا يهزأون بـه (بالرب) أثناء حياتـه على الأرض، وارتاعوا هذا الارتياع عند موته؛ بلغ بهم الحال أن يموتوا من أجله بغيرةٍ كبيرة. هـذه الأفعال تكشف عـن قوَّة قيامتـه. لأننـا نـرى أنَّ الرجـال العِظَام المرمـوقين بيننا يصيرون نسياً منسيّاً بعـد موتهم؛ أمَّا هنا، فالذيـن استخفُّوا به (بالرب) أثناء وجوده بينهم، صـار لهم فيما بعد إلهاً. فكيف ارتضوا أن يموتوا لأجله إنْ لم تكُـن قيامته مبنية على برهانٍ قوي](2).

فـإن كانت قيامة الرب واضحة في التحوُّل الذي ظَهَر في إخـوة الرب، مثـل يعقوب الذي تفانَى في عبادةٍ طاهـرة شهادةً للقائم مـن بين الأموات؛ فهي، مـن ناحيةٍ أخرى، ظهرت في استشهاد الرسـولَيْن بطرس وبولـس والأسقف إغناطيوس الأنطاكي.

+ ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم:

[... على هـذا الاعتبـار استُشهِـد بطرس وبولـس وهـذا الإنسـان (يقصـد القديس إغناطيوس)، لكي يُطهِّروا بدمـائهم المسفوكة مدينة روما مـن نجاسـات أوثـانها، ولكي يُظهِروا بهـذا العمل برهـان قيامـة المسيح المصلوب، ليُشجِّعوا ساكني روما على احتقار ملذَّات العالم الحاضر، وليظهـر أمامهم أنهم صاعدون إلى المسيح المصلوب ليُشاهدوه في السموات. فأعظم دليل يُقدِّمه المسيح المذبوح على القيامة، كقـوَّةٍ فائقة بعد الموت، هـو تشجيعه الأحياء على التجـرُّد مـن العشيرة والأصدقـاء والمعارف والحيـاة نفسها مـن أجـل الاعـتراف بـه، وتفضيـل الجَلْـد والأخطار والموت على المسرَّات الحاضرة. فهذه الإنجازات ليست من عمل إنسانٍ ميت، ولا مِمَّن هو في القبر؛ بل من الذي قام وهو حيٌّ في السماء](3).

ويعـود القديس ذهبي الفم ليلفت النظر إلى نقطةٍ أخـرى في حياة التلاميذ، إذ يُقارن بين حالهم وقت صَلْب المسيح ثم بعد قيامته!

فهـذه المقارنـة تقطع بحـدوث شيءٍ مـا، بدخـول قـوَّةٍ جديـدة في الرسـل فوق طبيعتهم، جعلتهـم يشهـدون ويُكـافحـون ويُسـافـرون ويعظون ويُواجهون الأخطار.

+ وفي هذا الصدد يقول القديس يوحنا ذهبي الفم:

[كيف تجرَّأ الرسل على الخروج وهم في هذه الحال من الخوف والجُبن؟... كيف تجاسروا على مُخاطبة الجموع؟... بأيِّ أقـوال؟ بأيِّ أفعال؟ بأيِّ نشاط ينحازون إلى إنسانٍ ميت؟ وأيُّ مكافأة تنتظرهم؟ إن كان (المسيح) وهو حيٌّ بينهم هربوا لمجرَّد أن رأوه يُقبض عليه. وبعد موته، هل يُعقل أنهم يتكلَّمون عنه بهذه الجسارة إنْ لم يكن قـد قـام حقّاً مـن بين الأموات؟...

مراراً كلَّمهم قبل الصَّلْب: ”إنه بعد ثلاثة أيام سيقوم“. فإن لم يكُن قـد قام، فمن المؤكَّد أنهم سيحتقرونه، إذ خدعهم وجعل كـل أُمَّة اليهود تُعاديهم حتى صاروا بـلا مـأوى ولا وطن. وكان من غير المعقول أن يُضْفوا عليه كل هـذا المجد، ولا كان لهم أن يتعرَّضوا لمثل تـلك المخاطـر. فلـو لم تكـن القيامة قد حدثت لاستحال عليهم اختراعها. وهذا أمرٌ لا يحتاج لمنطقٍ أو تعليل.

ثم من أين لهم هـذه المجاهرة؟ هل بسبب فصاحتهم وقوَّة حجتهم؟... على العكس، كانوا أُمِّيين إلى أقصى درجة... هل بسبب غناهم؟ لم يكن لديهم لا عصا ولا حذاء... هل بسبب امتياز أصلهم؟ كانوا وضعاء ومـن أصلٍ فقير... هل لعظمة وطنهم؟ كانوا من مُدُن وضيعة... هل بسبب كثرة عددهم؟ أبداً، فما زاد عددهم عن أحد عشر تلميذاً... هل بسبب ما وعدهم بـه مُعلِّمهم؟ وأيُّ نوعٍ هي تلك المواعيد؟ إن لم يكن قد قام من بين الأموات، ما كانوا يُصدِّقون شيئاً من مواعيده(4).

وكيف يُجابهون شعباً شديـد الاهتياج مثل اليهود؟... كيف يُعقل أنَّ مثل هـؤلاء يمكنهم أن يُسافـروا إلى أقاصي الأرض ليزرعـوا قصة مُختلقة عن القيامة؟ الذين لم يقووا على مواجهة امرأة جارية (مثل بطرس) ولا منظر القيـود، كيف واجهوا ملوكـاً ورؤساء وأُمماً وسيوفاً وسجوناً ومطابق وأتون نيران وميتات كل يوم، إنْ لم تكُن فيهم قوَّة ونعمة ذاك القائم من بين الأموات؟!!](5).

امتداد القيامة داخل التاريخ البشري:

+ يتحـدَّث القديس يـوحنا ذهبي الفم في موضعٍ آخر عـن القيامة من زاوية أخرى، وهي امتداد هـذا الحَدَث التاريخي في الحياة البشرية عَبْر الأجيال والقرون، ليصير إيماناً عاماً للبشرية كلها بقوةٍ وإعجاز يفوقان المعجزة الفردية. وهذا الحديث جـاء عَـرَضاً خلال قيام القديس بالردِّ على سؤالٍ خَطَر في بال سامعيه: لماذا لم يُظهِر الرب نفسه بعد القيامة إلاَّ للرسل فقط؟ أَلم يكن مـن الأيسـر أن يتراءى للجميع حتى يُصدِّقـوا قيامته بـدلاً مـن إيمانهم عـن طريـق التلاميذ والرسل؟

[بالنسبة للجميع، سيكون ظهوره هـو مجرَّد خيال أو شبح، لأنهم لا يُدركون هذا السر. إنْ كـان الرسل أنفسهم لم يُصدِّقوا وكانـوا في حيرة (لـو 24: 22،12،11)، واحتاجـوا لبرهان اللمس الحقيقي والأكل معه؛ فكم وكم يكون الحال مع عامة الناس؟!... لهذا السبب أجروا المعجزات لتصير برهـان قيامته بما لا يقبل الشك، ليس لجيلهـم فقط بـل وحتى للذين يأتون بعدهم أيضاً. لهذا نردُّ على غير المؤمنين: إن كـان المسيح لم يَقُمْ مـن بين الأمـوات، فكيف أمكـن للـرسـل عمـل المعجزات؟ وإنْ لم تكن معجزات، فعلى أيِّ أساسٍ يقوم إيماننا؟ هذا أمرٌ لا يقبل النقاش.

وحتى إن لم يصنع الرسـل معجـزات، فـالمعجزة العُظمى هي: كيف أنَّ العالم الآن وقـع في شِبَاك اثني عشر تلميذاً من الفقراء الأُمِّيين؟! ليس بفضة ولا بحكمة ولا بشيء من هـذا القبيل. فالمُقاومون لابد أن يعترفوا بوجود قوَّةٍ إلهية رافقته، إذ يستحيل على أيِّ قدرة بشريـة أن تُثمر هـذه النتيجة الباهرة. لأجل هـذا مكث (الرب) معهم أربعين يوماً بعد القيامـة، يتردَّد عليهم ليؤسِّس فيهم هذا اليقين الثابت بقيامتـه، حتى بهـذه المُشاهدة المتواترة لا يتطرَّق الشكُّ إليهم بأنَّ ما رأوه كان خيالاً. ثم قدَّم دليلاً آخر حين أَكل معهم (أع 1: 4)، كما يؤكِّد الرسل بعد ذلك: «نَحْنُ الَّذِينَ أَكَلْنَا وَشَرِبْنَا مَعَهُ بَعْـدَ قِيَامَتِـهِ مِـنَ الأَمْوَاتِ» (أع 10: 41)](6).

قيامة المسيح تُعرَف بالإيمان وليس بالعقل:

+ وبعد الأدلة والبراهين التي ذُكِـرَت آنفاً، ليس أمامنا سوى الإيمان كمدخلٍ وحيد لقبول هذه الحقيقة. فيقول القديس ذهبي الفم:

[بالإيمان نعرف قوَّة القيامة. أيُّ منطق يمكن أن يُصوِّر لنا القيامة؟ لا يوجد سوى الإيمان وحده. لأن قيامة المسيح الذي تجسَّد، إنْ لم تُقبَل بالإيمان، فكيف يمكن إدراك ميلاد كلمة الله؟ لأن القيامة أسهل (من جهة قبولها عقلياً) من الميلاد إذ سبقتها أَمثلة؛ أمَّا تلك (يقصد ميلاد الرب يسوع) فهي فريدة مـن نوعها! كثيرون ماتوا وقاموا قبل وبعد المسيح، ولو أنهم عادوا ثانيةً للقبر، لكن لم يحدث قط أن تلد عذراء. هـذه التدابير تصنع البر، وينبغي علينا أن نؤمن بقدرة الله على صُنعها، ولكن الكيفية لا يمكن إثباتها... إننا لا نؤمن فقط أنه قام، بـل أيضاً بعد قيامته كانت لديه قوَّة أعظـم. لذلك نحـن نسلك نفس الطريق التي سلكها يسوع قبلنا، أي نصير له إخوة على نفس المستوى، كما لو كان بولس يقول إننا بهذه الوسيلة صرنا مُسحاء...](7).

(يتبع)

(1) القديس جيروم، ”حياة المشاهير“.
(2) ”على إنجيل متى“، عظة 6:5:5.
(3) ”على القديس إغناطيوس“: 4.
(4) لاحِظ هنا هذا الدليل المهم على صحة وصايا المسيح، أنه بقيامته قدَّم الضمان والتأمين على صدق وصاياه ومواعيده، وجعلنا نثق ب‍ها ثقةً لان‍هائية.
(5) ”على إنجيل متى“، 89: 1.
(6) ”على سِفْر أعمال الرسل“: 1.
(7) ”على رسالة أفسس“: 11.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis