دراسة الكتاب المقدس


مقدِّمات الأسفار
- 46 -

ثالثاً: الأسفار الشعرية

2 - سِفْر المزامير (4)

(تابع) أقوال آبائية عن السِّفْر:

10. نعمة البكاء: «أُعوِّم كل ليلةٍ سريري» (مز 6: 6): [دَعَوا أولئك الذين لديهم أَسِرَّة من الفضة يستمعون إلى ما كـان عليه سرير الملك. فهـو ليس مُرصَّعاً بالجواهـر أو مطليّاً بالذهب، ولكنه كان يُغَسَّلُ بالدموع. لم تكن ليالي من الراحة، ولكنها كانت ليالي مـن النحيب والبكاء. كان يهتمُّ بالعديد من الناس ليلاً، وهو الوقت الذي يُكرِّسه جميع الناس للراحة، لكنه كان يُكرَّس للاعتراف والنوح بأكثر جدِّيَّة. كما تَرَوْنَ، فإنه في حين أنه من الجيِّد دائماً أن نبكي، إلاَّ أنـه مـن الأنسب أن يكـون الليل - بشكلٍ خاص - عندما لا يعوق أحدٌ هذه الخبرة الرائعة، إذا سنحت الفرصة للمرء (في هدوء الليل)، أن يكون في حريَّة أن يفعل ما يشاء. أولئك الذين جرَّبوا ما أتحدَّث عنه، يعرفون الغبطة العظيمة النابعة مـن مثل هذا الطوفان من الدموع. مثل هذه الدموع يمكن أن تَقضي على حريقٍ منقطع النظير، يمكـن أن توقِـف الفيضان الذي يجتاحنا في إدانتنا لذواتنا. لـذلك بكى بولس (الرسـول) ليلاً ون‍هاراً لمدَّة ثـلاث سنوات لتصحيح مشاعـره غير الطبيعية (في تعذيبه للمسيحيين). بعيداً عن تصحيح أخطائنا، فإننا نمنح لأنفسنا فرصة للفرح والتهليل ونقضي الليل في ذهول ودهش مُطلق](10) - القديس يوحنا ذهبي الفم.

11. الله وحده هو المخلِّص: [مَن هو ذاك الذي ليس سواه، الذي يقول: «ليس آخر سواي الذي يقدر أن يُخلِّص» (إش 45: 21 - مترجمة من النص)، وهو هذا الذي «جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ» (لو 19: 10)، «وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ» (مت 20: 28؛ مز 10: 45). هـذه الأمور تُبيِّن أنَّ الله الآب يُخلِّص بواسطة الله الابن. مِن خلال هذا يتَّضح أن أُلوهية الآب والابن لا ينبغي تمييزها بالكلمات عن بعضها البعض، ولا ينبغي أن نراهما مختلفَيْن الواحد عن الآخر](11) - العلاَّمة ديديموس الضرير.

12. خطأ الفلاسفة (مز 8: 3): [ما أعظم قوَّة الله! كانت إرادتـه الظاهرة هي خَلْق الكون، لأن الله وحده صنعه، لأنه وحده هـو الله. ومـن خلال ممارسة إرادته الظاهرة هو يخلق، وبحسب رغبته فقط نشأ الكون كما أراد. وبالتالي، فـإنَّ جماعة الفلاسفة مُخطئون، فهُمْ يعترفون بالفعل بكلِّ نُبْلٍ أنَّ البشرية قد خُلِقَتْ من أجل التأمُّل في السماء. ولكنهم يعبدون الأشياء التي تظهر في السماء وتُدرَك وتُرَى بالعين... لا تَدَع أحداً منكم يعبد الشمس، بل اجعلوا اشتياقكم نحو صانع الشمس، ولا تؤلِّهوا الكون، بل اطلبوا خالق الكون](12) - القديس كليمندس الإسكندري.

13. أغنية للحبيب: «أحمد الرب بكلِّ قلبي» (مز 9: 1): [هذه سِمَة خاصة للحبيب. أولئك الذيـن يحبُّون، كما تعلمون، يُغنُّون الأغاني لأحبَّائهم، حتى لـو لم يكونوا في أفق الرؤيا، فهُمْ يشعرون بالراحة مع الأغنية. هذا هو بالضبط ما يفعله المؤلِّف ال‍مُلْهَم (للمزامير)، حيث إنه من غير الممكن رؤية الله، فيقوم بتأليف الأغاني للرب، والتحاور معه في الأغنية، وتحقيق الرغبة للحصول على الانطباع برؤيته، أو بالأَحرى إثارة المشاعر والرغبة لدى الكثيرين من الناس من خـلال غناء الترانيم والألحان. بعبارةٍ أخرى، كما يقـرأ ال‍مُحبُّون المديح لأحبَّائهم واضعين أسماءهم فيها، وهكذا يفعل مؤلِّف المزامير ذلك](13) - القديس يوحنا ذهبي الفم.

14. «الشرير يكمُن كأسدٍ» (مز 10: 9): [إنه يكمُن مُتربِّصاً في الخفاء، مثل أسدٍ في عرِّينه أو وحشٍ مُفترسٍ في كهفه، حتى يتمكَّن من اصطياد الفقراء عن طريق الخطاب ال‍مُخادِع، وكثيراً ما يكون ذلك خلال غفلتهم في أعمالهم. وبعد أن يُمسِك به في الفخِّ، سوف يجذبه إلى الارتداد (عن الإيمان). الوحوش البريَّة تُهدِّد هكذا مثل الأسد. وفي كثير من الأحيان، تكمُـن مُنتظرة، مثلما يُناقش الشرير الصائم عن صومه، مُحاولاً أن يُقنعه علناً بالجشع، ويُخاطبه مُتظاهـراً بالحياء، ويُقنعه على السلوك في التَّرَف. هكـذا دَفَـعَ (إبليس) حواء بالخديعة في الجنة لارتكاب التعدِّي (على وصية الله)، قائلاً لها ”ستكونين مُتساوية بالله“. هكذا أغوى يهوذا بالجشع](14) - العلاَّمة ديديموس الضرير.

15. أجنحة الروح (مز 11): [الروح لديها أجنحة تستطيع بواسطتها أن ترتفع بنفسها عن الأرض. لكن حركة الأجنحة هذه ليست شيئاً مبنيّاً على الريش بل سلسلة مستمرة من الأعمال الصالحة، مثل تلك الخاصة بالرب الذي قيل عنه: «وفي ظِل جناحيك أعتصم». ففي المقام الأول: تمدَّدت يدَي ربنا على الصليب مثل أجنحة تُظلِّلُنا؛ وثانياً: فإنَّ أعمال الله هي بمثابة ظِلٍّ مُنعشٍ للخلاص الأبدي الذي يمكن أن يُحلِّق فوقنا ويُقاوِم حريقاً مُستعراً في عالمنا](15) - القديس أمبروسيوس.

16. الوصول إلى الله (مز 12): [عندما غادر إسرائيل مصر، مَنَع الله الناسَ حتى مِن لَمْس الجبل عندما كان يُعطي الناموس، لكي يكونوا في مأمنٍ من النار (التي كانت مُشتعلة على الجبل) بسبب الرب (الحال فوق الجبل). ومع ذلك، فقد دَعَا الربُّ موسى ال‍مُبارَك للصعود إليه فوق ذلك الجبل. وكان موسى خاضعاً تماماً له ومُتشبِّثاً بنعمته. لذلك قال الله: «دَع موسى وحده يقترب» (خـر 24: 2). فصعد موسى الجبل ودخل في السحاب، وعلى الرغم من أنَّ الجبل كان يُدخِّن بالحرارة في حضرة الرب، لم يُصَبْ موسى بأيِّ أذى. بدلاً من ذلك، فمن خلال كلمات الرب، التي هي «مثل الفضة النقية ال‍مُصفَّاة في النار»، فإنه (موسى) نزل أكثر نقاء منه (من الجبل) حينما صعد](16) - القديس أثناسيوس الرسولي.

17. «إلى متى تحجب وجهك عني» (مز 13: 1): [«إلى متى تحجب وجهك عني». الله لم يَعُدْ يُحوِّل وجهه أو ينسى، لكن الكتاب المقدَّس يتبنَّى تعبيرنا البشري، فيُقال إنَّ الله يُبعِد وجهه طالما هـو يرفُض أن يُعرِّف نفسـه لروحٍ ليست أعينها الروحية نقيَّة بعد](17) - القديس أوغسطينوس.

18. «قال الجاهل في قلبه ليس إله» (مز 14: 1): [يتبع هذا البيان الحمْقَى مُباشرة، مُشيراً إلى أفعالهم التي تتوافق مـع أفكارهم، فإن‍هم «فسدوا ورجسوا بأفعالهم». الشخص الظالم يُفسِد جسده بكـلِّ طريقة مُمكنة: سرقة، ارتكاب الزنا، الشتم، السُّكْر، والقيام بأمـورٍ مُشاب‍هة... وعلى ذلك، فأولئك الذين هم حمقى في أفكارهم سيفعلون الأفعال الشريرة، كما قال الرب (للفرِّيسيين): «كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَتَكَلَّمُوا بِالصَّالِحَاتِ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ؟» (مت 12: 34). وهكذا كانوا أشراراً، لأن أفكارهم كانت شريرة](18) - القديس أثناسيوس الرسولي.

19. الأعمال تتبع الإيمان (مز 15): [عندما يقـول الرسول: إنـه في رأيه أن شخصاً ما له ما يُبرِّره بالإيمان بدون أعمال الناموس، فهو لا يقصد ب‍هذا القرار التعبير عن ازدراء الوصايا وأعمال البر بإعلان الإيمان، ولكن لإبلاغ أي شخص بأنه يمكن تبريره بالإيمان حتى إذا لم يسبق له أن أكمل أعمال الناموس، لأن‍ها تتبع الإيمان عندما يكون المرء مُبرَّراً ولا تأتي قبل أن يكون مُبرَّراً](19) - القديس أوغسطينوس.

20. قيامة الجسد (مز 16): [«جسدي أيضاً يسكن على الرجاء» (مز 16: 9). يقول الرب يسوع المسيح هذه الكلمات، حيث ”جسدي“ هو أول جسد يسكن على الرجاء. فإنه بصَلْبه، جعل الباكورة الأولى من الموتى يتمُّ أَخْذها إلى السماء بعد القيامة، إذ حَمَل معه الجسد الأرضي حتى أنَّ طبيعته الإلهية كانت مُتعجِّبة ومُنذهلة لرؤية الجسد يصعد معها إلى السماء. أمَّا بخصوص إيليا، فقد كُتِبَ أنه أُخِذَ إلى السماء، وكذلك عن أخنوخ أنه قد نُقِلَ أيضاً. والآن، يُقال كذلك، أن يسوع قد صعد إلى السماء... ومع ذلك، فإني أحفظ لكم كل الإيمان، لأنه كما أنَّ المسيح هو أول باكورة القائمين من بين الأموات، فهو أيضاً أول مَن صعد بجسده إلى السماء](20) - العلاَّمة أوريجانوس.

21. هُمْ شعبه بالإيمان (مـز 18: 43): [نحـن لسنا جميعاً أبناء الله. هؤلاء فقط هم الذين يؤمنون به ويفعلون إرادته. والذين لا يؤمنون ولا يُطيعون إرادته هم أبناء الشيطان، لأن‍هم يقومون بأعمال الشيطان. هذه هي الحالة التي أُعلنت في إشعياء: «رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ، أَمَّا هُمْ فَعَصَوْا عَلَيَّ» (إش 1: 2). ومرَّةً أخرى يقـول (في المزامير): «بنو الغربـاء يبلون ويكذبـون عليَّ» (مـز 18: 45 حسب النص). طبقاً للطبيعة، هم أبناؤه، لأن‍هم خُلِقوا كذلك، ولكن فيما يتعلَّق بأعمالهم، فهُم ليسوا أولاده](21) - القديس إيرينيئوس.

22. النور اللطيف للمسيح (مز 19: 6): [المسيح يملأ عالمه بأنوارٍ غامرة، لأن خروجه من ن‍هاية السموات، ودائرته حتى النهاية، وليس هناك مَن يستطيع إخفاء نفسه من حرارت‍ها. وهـو بكلِّ لُطف ينشر ضوءه على كـلِّ أحد، راغباً ألاَّ يحرم الحمقى منه بل أن يُصحِّح أوضاعهم، رغبةً منه في عـدم استبعاد الغليظي القلوب مـن الكنيسة، ولكـن يصبو إلى تليينها... المسيح في الإنجيـل يدعوهم قائـلاً: «تَعَالَوْا إِلَيَّ يَـا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ» (مت 11: 29،28)](22) - القديس أمبروسيوس. (يتبع)

(10) St. Chrysostom: Commentary on the Psalms 6.4 (CCOP 1:103-4).
(11) Didymus the Blind: Fragments on the Psalms 7.2 (PG 39:1180).
(12) St. Clement the Alexandrian: Exhortation to the Greeks 4 (ANF 2:190).
(13) St. Chrysostom: Commentary on the Psalms 9.2 (CCOP 1:182).
(14) Didymus the Blind: Fragments on the Psalms 10.8 (PG 39:1204-5).
(15) St. Ambrose: On Virginity 18.116 (AOV 51).
(16) St. Athanasius: Festal letters 3.4 (ARL 73).
(17) St. Augustine: Exposition of the Psalms 13.1 (WSA 315:173).
(18) St. Athanasius of Alexandria: Festal letters 18,12.6 (ARL 155,1133).
(19) St. Augustine: Faith & Works 14.21 (FC 27:247).
(20) Origen: Selections from the Psalms 16.9 (PG 93:1186).
(21) St. Irenaeus: Against Heresis 4.41.2 (ANF 1:525).
(22) St. Ambrose: On his Brother Satyrus 3.117 (FC 38:42-43).

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis