من تاريخ كنيستنا - 95 - من تاريخ كنيستنا - 177 -


الكنيسة القبطية في القرن التاسع عشر البابا كيرلس الخامس البطريرك الثاني عشر بعد المائـة في عداد بطاركة الكرسي الإسكندري (1874 - 1927م) - 8 -

«وأبواب الجحيم لن تقوى عليها» (مت 16: 18)

(تكملة) رجوع ”كيرلس مقار“ إلى

كنيسته القبطية، وموته مسموماً:

مِمَّا تجدر مُلاحظته أنَّ البابا كيرلس الخامس أعلن عن رضائه الفوري لتقبُّل الحبر الكاثوليكي ”كيرلس مقار“ الراغب في العودة إلى كنيسته الأصليَّة (الكنيسة القبطية). وقد عاتَب الذين فاتحوه في هذا الموضوع، على ذهابهم أولاً إلى بطريرك الروم الأرثوذكس.

وضرورة هذه المُلاحظة، هي أنها تُضاعِف أمامنا بوضوح التسامُح الأَبوي الذي تحلَّى به هذا البطريرك الإسكندري الجليل البابا كيرلس الخامس. ولكن، للأسف الشديد، عند بدء سَفَر اللجنة التي تكوَّنت لاستحضار ”كيرلس مقار“ من بيروت؛ وصل تلغراف إلى البابا كيرلس الخامس يحمل خبر: انتقال كيرلس مقار المُفاجئ إلى مساكن النور. وكان ذلك في سنة 1920م، وقد أُشيع آنذاك بأنه مات مسموماً.

رجوع إلى الوراء حسب التسلسُل التاريخي:

لابد من العودة قبل سنة 1920م، لكي نتتبَّع بعض الأحداث العُظمى التي جَرَت تحت رعاية البابا كيرلس الخامس.

? ففي 27 يوليو سنة 1899م، أنشأ البابا كيرلس الخامس ثلاث مدارس للرهبان: إحداهما في الإسكندرية تحت رعاية أنبا يؤانس، وهي لرهبان أديرة وادي النطرون؛ وثانيتهما بجهة ”بوش“ تحت رعاية أسقفَي الديرَيْن الشرقيَّيْن: دير الأنبا أنطونيوس ودير الأنبا بولا، وذلك لخدمة رهبانهما؛ وثالثتهما بدير المحرق تحت رعاية أسقفه، وهي لرهبان الدير.

? وتدعيماً لهذه الحركة العلمية، أرسل البابا كيرلس الخامس سبعة من الرهبان للدراسة بالكليَّة الإكليريكية اللاهوتية في أثينا باليونان.

? إنشاء صَفٍّ بالمدرسة الكبرى لتعليم أبناء وبنات الكنيسة: فقد أنشأ البابا كيرلس الخامس صفّاً بالمدرسة الكبرى (التي كان قد أنشأها البابا كيرلس الرابع) لتعليم أبناء وبنات الكنيسة. وكان الهدف من هذه – عند إنشائها – تخريج الشُّبَّان الأقباط الذين يستطيعون تعليم أبناء الكنيسة عقيدتهم الأرثوذكسية المُستقيمة، وكذلك تعلُّم لُغتهم القبطية الأصليَّة.

? وبما أنَّ هذا الهدف كان تعليم البنات أيضاً، لذلك فقد أنشأ البابا كيرلس الخامس صَفّاً آخر لتخريج المُعلِّمات.

? كما شاء قداسة البابا، في موضوع تعليم ”البنات“، أن يضرب عصفوريـن بحجرٍ واحـد - كما يقول المَثَل الدارج - لذلك قرَّر تخريج مُعلِّمات: لتتهيَّأ لهُنَّ فرصة لكَسْب معيشتهِنَّ؛ وفي نفس الوقت، يخدمن كنيستهنَّ.

منشور بابوي للشعب: لقد أصدر البابا كيرلس الخامس منشوراً للشعب القبطي، لكي يتمسَّكوا بالتعاليم الأرثوذكسية، فيواظبون على الأصوام والصلوات وغيرها من المُمارسات الدينية، وألاَّ يغترُّوا بتمويهات المُنادين بالتعلُّم في المدارس الأجنبيَّة!

? كذلك حثَّ المنشور البابوي الآباء الكهنة بافتقاد الشعب، والمُداومة على توضيح التعليم الأرثوذكسي. كما حثَّ جميع المسئولين عن المدارس القبطية بتعليم الكتاب المقدَّس، واستصحاب التلاميذ والتلميذات في الذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد وفي مختلف المناسبات الكنسيَّة.

? وبما أنَّ غير الأرثوذكس قد استعانوا بما يقومون به من خلال توزيع الكُتيِّبات والنَّشَرات غير الأرثوذكسية، لبثِّ تعاليمهم الغريبة؛ فقد قرَّر قداسة البابا تأليف لجنة يختار أعضاءها بنفسه، من علماء الأقباط المُتمكِّنين من الإيمان الأرثوذكسي، للنظر في كلِّ مؤلَّف ديني غير أرثوذكسي، ومُراجعته قبل الشروع في طَبْعه؛ وكذلك مراجعة ما سبق وأن وقع في أيدي الأقباط، لتوعية المؤمنين الأقباط بالتمييز بين تعاليم الكنيسة والتعاليم المُغايرة، وذلك بعد دخول الطوائف الغربيَّة المُغايرة للتعليم الأرثوذكسي.

? اتِّخاذ البابا كيرلس الخامس كل هذه الخطوات بالاتفاق مع المجمع المُقدَّس: فقد قرَّر البابا ضرورة عَقْد مجمع مرَّة سنويّاً، ويكون انعقاده في شهر توت (أول السنة القبطية). وبالإضافة إلى هذا المجمع العام، تقرَّر وجوب عَقْد مجمع في كل إيبارشية تحت رئاسة مطران أو أسقف الإيبارشية وبحضور جميع كهنتها.

? وكانت الموافقة على هذه القرارات جماعيَّة. فبعد أن وقَّع أعضاء المجمع المقدَّس على هذه القرارات، ذيَّلها قداسته بما يلي:

- ”على حضرات الآباء المطارنة والأساقفة تنفيذ هذه القرارات، كلٌّ فيما يخصُّه، وعلى اللجنة المليَّة تنفيذ ما يختصُّ بالبطريركخانة - بطريرك الكرازة المرقسية (ختم)“.

? ولمَّا اطمأن قلب قداسة البابا الوقور إلى أنَّ المدارس التي أنشأها تسير سيراً حسناً، وجَّه رعايته إلى نوعٍ آخر من التعليم، وهو ”التعليم الفنِّي“.

وقد وَجَدَ قداسته في رِحاب كنيسة القديسة دميانة ببولاق مكاناً مُناسباً لتحقيق هذه الرغبة. فقد أنشأ في أحد أركان الحديقة الفسيحة المُحيطة بالكنيسة ”مدرسة الصنايع“ الخاصة بالصبيان، لتعليم أعمال النجارة والحدادة وغير ذلك.

? إنشاء مدرسة للبنات: كما أنشأ قداسته في ركنٍ آخر من الحديقة عينها مدرسة لتعليم البنات ”التدبير المنزلي“.

البابا كيرلس الخامس

يُقيم حفلاً رسميّاً لرجال الدولة:

? فقد أقام قداسته حفلاً رسميّاً لوضع حَجَر الأساس لهاتين المؤسَّستَيْن (مدرسة الصنايع للبنين، ومدرسة التدبير المنزلي للبنات)، مساء الاثنين 15 يونية سنة 1903م.

وقد دعا قداسته إلى الحفل محافظ القاهرة، ورئيس مجلس الشورى، وناظر الأوقاف الخديوية، وغيرهم من رجال الدولة، الذين رحَّبوا جميعاً بهذه الدعوة الكريمة.

وصول قداسة البابا إلى مكان الاحتفال:

? وفي الساعة الخامسة من مساء ذلك اليوم، وصل قداسته إلى مكان الاحتفال، يُحيط به الآباء المطارنة والأساقفة؛ حيث استقبلهم الشمامسة بالألحان الكنسيَّة، ثم أتبعوا الألحان بنشيد أَلَّفَه ”وهبي بك“ ناظر المدارس القبطية خصيصاً لهذه المناسبة.

? وبعد صلاة الشُّكر، خَطَب الإيغومانس (أي القمص) فيلوثاؤس عوض. ثم قام ”إسماعيل بك عاصم“ رئيس الديوان الخديوي، وألقى كلمة عبَّر بها عن تقديره للبابا ولصَحْبه الكِرَام، وعن فَرحه بهذا المشروع الجليل.

فلما انتهى من حديثه، أمسكه البابا بيده، وتبعهما الآباء المطارنة والأساقفة والأُمراء، فوضعوا حَجَر الأساس لكلٍّ من المؤسَّستَيْن، بين نغمات الألحان الكنسيَّة، وهُتافات الجماهير.

استمرار المدرستَيْن:

? وقد ظلَّت هاتان المدرستان تؤدِّيان الهدف من إنشائهما طيلة حياة قداسة البابا الوقور. ثم رُئي تحويل مدرسة البنات إلى مدرسة ابتدائية، فإعدادية، ثم ثانوية. أمَّا مدرسة ”الصنايع“، فقد أُغلِقَت نظراً لاستبدال العمل اليدوي بالآلي.

? وقد اختير ”حَي بولاق“ لهاتين المدرستين، نظراً إلى أنَّ سُكَّانه من الفقراء المُحتاجين إلى كَسْب قُوتهم اليومي. فقد افتتح البابا المدرستين في هذا الحي، ليفتح أبواب الرِّزق أمام هؤلاء السُّكَّان البسطاء. وبالطبع، امتلأت القلوب فرحاً وزهواً بهاتين المدرستين.

? عَقْد المجمع المُقدَّس: انتهز الآباء المطارنة والأساقفة الذين جاءوا لحضور الاحتفال الفرصة، وعقدوا مجمعاً برئاسة قداسة البابا في يوم 25 يونية سنة 1903م، وقرَّروا ما يلي:

1. يجب تدريس الديانة المسيحية، وتاريخ الأقباط، على التلاميذ والتلميذات، في المدارس التابعة للكنيسة القبطية. وطبعاً، لابد من ذهابهم إلى الكنيسة مع مُعلِّميهم ومُعلِّماتهن، أيام الآحاد، وأيام الأعياد الكُبرى، دون تخلُّف.

2. يجب أن تكون الدروس الرئيسية مؤسَّسة على المبادئ الأرثوذكسية، كما يُعْهَد بمُراجعة الكُتُب والمؤلَّفات إلى لجنة مُراقبة التربية الدينية المُشكَّلة في الدار البطريركية - منذ السنة الماضية - بأَمر قداسة البابا(1).

3. نظام المدارس القبطية ومُعلِّموها والمُتولُّون شئونها على اختلاف درجاتهم، مُكلَّفون بالمُساعدة والمُعاضدة في تنفيذ هذا الأَمر، وإيجاد كل الوسائل لاستئصال كل صعوبة.

4. على حضرات الآباء المطارنة والأساقفة والقسوس والأراخنة ووجهاء وأعيان الأقباط وأُدبائهم في سائر القطر المصري، مدَّ يد المُساعدة لهذا المشروع الخطير، وتكليف أولياء أمور التلاميذ بالموافقة عليه. ثم حضُّ آباء التلاميذ الأقباط الذين يتعلَّمون في غير المدارس القبطية، مـن ضرورة إرسـال أبنائهم إلى الكنائس القبطية في أيام الآحاد وغيرها لحضور القدَّاسات.

5. ولضمان تنفيذ هذه الإجراءات، يتعيَّن أحد أبناء الأُمَّة الخبيرين بنظام المدارس وطُرُق سيرها، لكي يتجوَّل - من وقتٍ لآخر - بصفة مندوب خصوصي عن المجمع المقدَّس، يتفرَّغ لمُباشرة قيام كل المدارس القبطية بتنفيذ هذه الإجراءات.

6. يَنتَدِب الأب البطريرك المُكرَّم مَن يراه لائقاً من وُجهاء الأُمَّة القبطية لتنفيذ هذا القرار بسائر مُشتملاته(2).

? ثم رأى البابا كيرلس الخامس أن يُضاعِف توثيق صلته بشعبه عمليّاً، فقرَّر القيام برحلة رعويَّة. وكان في صُحْبته أنبا مرقس مطران إسنا والحدود، وأنبا أنطونيوس أسقف منفلوط ورئيس دير المحرق، والقمص فيلوثاؤس المقاري سكرتير قداسته، وأرمانيوس بك حنا، ومُراقب الديوان البطريركي حبيب جرجس، ومينا جرجس رئيس حسابات البطريركية. وقد بَدَأت الرحلة يوم 25 يناير سنة 1904م.

? وكالمُعتاد، كانت الرحلة عن طريق النهر الخالد، نهر النيل. ويجدر بنا تتبُّع هذه الرحلة البابويَّة بشيءٍ من التفصيل، لنُدرك أهميتها للشعب.

كما يجدر بنا أن نعرف أن قداسته والوفد المُرافق له، قد سافروا على متن باخرة ”التوفيقية“.

ومعنى هذا أنَّ الحكومة المصرية قد ساهمت في هذه الرحلة، لأنها بَدَأت تتخوَّف من ”التغلغُل“ الأجنبي ضد الكنيسة القبطية، فقدَّمت للبابا الوقور هذه الباخرة لكي يتنقَّل بها(3).

(يتبع)

(1) يتَّضح هنا مدى اهتمام البابا كيرلس الخامس بتعليم الإيمان والعقيدة الأرثوذكسيتين. (2) إنَّ مَن يتمعَّن في هذه القرارات، يُدرك مدى الرعاية الأبويَّة التي كان قداسة البابا كيرلس الخامس يبذلها، هو والمجمع المقدَّس، وذلك لتدعيم التراث القبطي، بما يتضمَّنه من تعاليم أرثوذكسية ومن لُغة قومية. وهنا لا يسعنا إلاَّ أن نُردِّد قول الشاعر: ”متى يبلغ البنيان يوماً تمامه ? إذا كنتَ ما تبنيه، غيرك يهدمه“؟ (عن: ”قصة الكنيسة القبطية“، إيريس حبيب المصري، الكتاب الخامس، ص 53، هامش 2). (3) ”أنور عبد الملك“، المرجع السابق، ص 224-225، حيث يقول ما ترجمته: ”دخل البطريرك كيرلس الخامس أسيوط على بارجة أمير الأسطول، مُستَهدفاً أن يكسر شوكة التسلُّل التبشيري البروتستانتي. وهناك الكثير من الإشارات إلى غضب مسيحيِّي أوروبا على الأقباط القوميين في هذه الفترة، مِمَّا يؤكِّد قسوة الصراع القومي أكثر مِمَّا هو ديني“. وهنا أيضاً لا يسعنا إلاَّ أن نقول: إنَّ التاريخ يُعيد نفسه في هذا الصراع الذي تفجَّر منذ منتصف القرن الخامس (انظر: ”قصة الكنيسة القبطية“، إيريس حبيب المصري، الكتاب الرابع، ص 365-367).

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis