طعام الأقوياء
- 74 -



«وأقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويَّات»
(أف 2: 6)



عبودية الخوف من الموت:

قبل قيامة المسيح من بين الأموات كان الموت هو اللُّغز الذي ليس له حَلٌّ، والعدو الذي لا يُقهَر، والنهايـة الحتمية لكـلِّ إنسان التي لا مفرَّ منها، والتي يواجهها كل إنسان ليس فقط حيال نفسه، بل حيال أعز أحبَّائه بكلِّ أسى وحُزن وجزع وخوف، دون أن يجد لتساؤله وحُزنه الشديد كلمة مُقنعة تُعزِّيـه وتُعطيه الرجـاء في حياةٍ أفضل واستردادٍ لمَن فقدهم بالموت. بل وأصبح الإنسان من استمرار خوفه من الموت، عبداً لهذا الخوف، مـع شعورٍ بـالعجز والمذلَّة! وقـد عبَّر القديس بولس الرسول عن ذلك في رسالته إلى العبرانيين بقوله: «الَّذِينَ - خَوْفاً مِنَ الْمَوْتِ - كَانُوا جَمِيعاً كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ» (عب 2: 15).

هكذا عايش الإنسانُ الموتَ بهذا الإحساس من الخوف والمذلَّة كـل أيـام حياته حتى مجيء المسيح، الذي أعاد للإنسان رجاءه في الانتصار على الموت والإيمان بالحياة الأبدية.

إمكانية التغلُّب على الموت:

ولكن الله لم يترك الإنسان هكذا بـلا شاهد على إمكانية الانتصار على الموت والتغلُّب على سُلطانه في كتابه المقدَّس:

أولاً: أول نصرة على الموت حازها الإنسان بصورةٍ ملموسة كانت في حياة أخنوخ الذي قال عنه الكتاب المقدس: «وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ» (تك 5: 24). كما شهد عنه بـولس الرسـول في الرسالـة إلى العبرانيين: «بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ نَقَلَهُ. إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَد أَرْضَى اللهَ» (عب 11: 5).

ثانياً: أمَّـا الموقف الثاني الـذي تحـدَّى فيه الإنسـان الموت على مستوى شعب الله بأكمله، فكان في مصر حينما أَمَر الله شعبه بذَبْح خروف الفصح، ووَضْع دم الخروف على الأبواب في مواجهة الملاك المُهلك أي ملاك الموت، الذي لمَّا رأى الملاكُ الدَّمَ عَبَر ولم يقدر أن يمسَّ أحداً من بني إسرائيل بسبب دم الخروف الذي لطَّخوا به أبواب بيوتهم؛ إلاَّ أنـه لمَّا اجتاز الملاك المُهلك في أرض مصـر ولم يَـرَ الـدم على أبـواب بيوت المصريين، أهلك كل أبكارهم!

ورغم أنَّ بني إسرائيل لم يُدركوا المغزى العميق لدم الخروف وما يُشير إليه، إلاَّ أنَّ الملاك المُهلك أدرك مغزاه وارتعب من مجرَّد الاقتراب من الأبواب التي مُسِحَت به، لأنه كان يرمز إلى دم المسيح الذي صُلِبَ على الجلجلة في أورشليم لأجلنا، وهـو الـذي رآه يوحنا الرائي في سِفر الرؤيا: «في وسط العرش... خروف قائم كأنه مذبوح» (رؤ 5: 6). ورنَّمت له جوقات الملائكة قائلين: «مُسْتَحِقٌّ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكاً وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ» (رؤ 5: 10،9).

ثالثاً: وأيضاً كان صعود إيليا في مركبة نارية وخيول شاروبيمية أُرسلت مـن السماء خصيصاً لنقل إيليا حيّاً بجسده، أعظم نصرة على الموت شاهَدَها الإنسان بجسده عياناً.

رابعاً: كما أنه ليس فقط حالات الانتقال إلى السماء تُعَدُّ تغلُّباً على الموت، بل إنَّ الذين غلبوا الموت رغم تعرُّضهم لأسبابه مثل الفتية الثلاثة الذين أُلقوا في أتون النار المحميَّة، لأنهم رفضوا عبادة الأصنام مُتحدِّيـن الموت ولهيب الأَتـون، فأرسل الرب ملاكه وأنقذ عبيده الذين اتَّكلوا عليه وأَسلموا أجسادهم للنار؛ فتحوَّلت لهم بَرَداً وسلاماً وتَمشُّوا في وسطها ولم تحـرق حتى ملابسهم، لأنهم فضَّلوا الموت عـن أن يعبدوا أو يسجدوا لإلهٍ غير الإله الحقيقي (دا 3: 28).

خامساً: وكذلك دانيال النبي الذي فضَّل أن يُلقَى في جُبِّ الأسود الجائعة من أن يتعبَّد لإلهٍ آخر غير الرب الإله، ”فأرسل الله ملاكه وسدَّ أفواه الأسود، فلم تؤذه، لأنه آمن بإلهه“ (دا 6: 22).

سادساً: وكـذلك إيليا النبي الذي أقام مـن الموت ابن أرملة صرفة صيدا (1مل 17: 23)، وأليشع النبي الذي أقـام مـن الموت ابن المرأة الشونمية، وأقـامت عظامه الميت الـذي لامست جثته عظام النبي بعد انتقاله (2مل 4: 35؛ 13: 21). وكانت هذه كلها إشارة مُسبقة من الله على هزيمة الرب يسوع للموت بقيامتـه مـن بين الأمـوات، ليصير باكـورة الراقديـن، ورجاءً لكـلِّ البشرية في حياةٍ أبدية بعد الموت.

سابعاً: أمَّا في أيام تجسُّد الرب يسوع، فقد أقام كثيرين من الموت، منهم ابنة يايرس، وابن أرملة نايين، ولعازر. ولمَّا أرسل يوحنا المعمدان اثنين من تلاميذه وهو في السجن للرب يسوع ليسأله قائلاً: «”أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟“. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمَا: ”اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ، وَتَنْظُـرَانِ: اَلْعُمْيُ يُبْصِـرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُـونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّـرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ. وَطُـوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ“» (مت 11: 3-6).

ولما اختار الربُّ تـلاميذَه وأرسلهم ليكرزوا بملكوت السموات، قال لهم: «... اِشْفُوا مَرْضَى طَهِّرُوا بُرْصاً. أَقِيمُوا مَوْتَى. أَخْـرِجُوا شَيَاطِينَ. مَجَّاناً أَخَذْتُمْ مَجَّاناً أَعْطُوا» (مت 10: 8،7). وكـان هـذا كله إعلاناً عـن نصرة الرب على الموت بكل صُوره ومُسبِّباته.

الخوف من الموت وقيامة المسيح:

بعد قيامة المسيح لم يَعُد هناك أيُّ داعٍ أو علَّة للخوف من الموت، بل صار الخوف من الموت بمثابـة إنكار لحقيقة قيامـة المسيح مـن الموت وقدرته على إقامتنا معه: «لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَوْتَى لاَ يَقُومُونَ، فَلاَ يَكُونُ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَـدْ قَامَ، فَبَاطِـلٌ إِيمَانُكُمْ. أَنْتُمْ بَعْدُ فِي خَطَايَـاكُمْ! إِذاً الَّذِيـنَ رَقَـدُوا فِي الْمَسِيحِ أَيْضاً هَلَكُـوا!» (1كـو 15: 16-18). لـذلك يُعتَبَر الموت والخوف من الموت أخطر عدو لنا الآن، لأنه يتساوى مع إنكار المسيح وصَلْبه وموته وقيامته. فالمسيح بموتـه على الصليب أَبطل عِزَّ الموت، وأباد الموت بموته، وحرَّر الإنسان من عبوديته للموت ومِن ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس (انظر عب 2: 14).

+ وفي هذا يقول القديس كيرلس الكبير:

[إنه (المسيح) يحوي جميع المؤمنين في ذاته في وحـدةٍ روحية، وإلاَّ فكيف كـان يمكن لبولس (الرسول) أن يكتب قائلاً: إنـه «أقامنا معه وأجلسنا معه في السماويَّات»... فمنذ أن جعل نفسه مثلنا (بتجسُّده) صرنا نحن ذوي جسدٍ واحدٍ معه، وصار هـو يحملنا كلنا في نفسه... فلما رجع الرب إلى الحياة وقدَّم نفسه كباكورة للبشرية، حينئذٍ بكل تأكيد تحوَّلنا نحن أيضاً إلى حياةٍ جديدة](1).

فالمسيح لم يَقُم من أجل نفسه هو باعتباره الإله الكلمة الأزلي، بل قام بالجسد الذي أخذه من العذراء بالروح القدس الذي حلَّ عليها، فصرنا محمولين فيه ومتَّحدين به، فاشتركنا معه في موته وقيامته. لذلك يُكرِّر القديس كيرلس مؤكِّداً هذه الحقيقة: إنَّ الرب قام ليُقيمنا نحن معه، بقوله:

[إنَّ المسيح لمَّا استعاد الحياة ناقضاً سُلطان الموت، لم يُكمِّل قيامته من أجل نفسه هو، إذ أنـه هـو ذاته الكلمة الإله، ولكن حيث إنَّ طبيعة الإنسان كانت بكاملها في المسيح مُقيَّدة بسلاسل الموت، لذلك قام ليمنحنا بركة القيامة (وقوَّتها) من خلال نفسه وفي نفسه](2).

إذن، فقد كانت قيامة المسيح هي غاية تجسُّده الأساسية، ولهـذه الغايـة اقتنى كلمـة الله جسداً خاصّاً له وجعله قابـلاً للموت رغم أنـه هـو القيامة والحياة، وأنَّ كل مَـن يؤمن به ولو مات فسيحيا. وفي هـذا يقول القديس كيرلس أيضاً مؤكِّداً هذا المعنى: [لقد لَبِسَ جسدنا لكي يُقيمه من الموت، ويفتح أمام الجسد الذي استسلم للموت طريق العودة إلى عدم الفساد (أي عدم الموت)](3).

قيامة الحياة وقيامة الدينونة:

+ يقول القديس كيرلس في إحدى عظاته:

[إنَّ الموت الجدير بأن يُدعَى بهذا الاسم، ليس هـو الموت الحادث مـن انفصال النفس عن الجسد، بل هو بالحري الموت الحادث عن انفصال النفس عن الله. الله هو الحياة، فمَن ينفصل عن الحياة فهو الميت حقّاً](4).

وعلى ذلك فنعمة القيامة التي ننالها من قيامة الرب لا تنحصر في استعادة حياة الجسد بعودة النفس إليه، بل تمتدُّ أيضاً إلى مستوى روحي أعلى بالقيامة الروحية لحياةٍ جديدة بحسب الروح. وكثيراً ما يُكرِّر القديس كيرلس أنَّ قيامة الرب أثَّرت على البشرية على مستويَيْن:

الأول: عامٌ يُدرِك جميع الناس بلا استثناء، بقيامة أجسادهم في اليوم الأخير.

الثاني: خاصٌ للذين يقبلونه، وهو القيامة الروحية لجدَّة الحياة. وفي هذا يقول القديس كيرلس:

[إننا نعتقد أنَّ السرَّ الحاصل بقيامـة المسيح يمتدُّ ويُـدرِك كـل طبيعـة الإنسان. فنحـن نؤمن أن طبيعتنا كلها فيه هو أولاً قد انعتقت من حيث إنه إنسان. وكما أننا سقطنا جميعاً في الموت في الإنسـان الأول (آدم)، هكـذا أيضاً سيقوم الجميع في الذي صار بِكْراً لنا، ولكن الذين صنعوا الخير إلى قيامة الحياة كما هـو مكتوب، والذين صنعوا الشر إلى قيامة الدينونة. وأنا أؤكِّد أن القيامة للعذاب (الأبدي) هي أصعب وأقسى من الموت نفسه](5).

فنعمة القيامـة تنتقل إلى الجميع بقيامة أجسادهم، سواء شاءوا أم أَبَوا بفعل التغيير الجذري الذي أجراه الرب في صميم طبيعتنا لمَّا قام بالجسد حاملاً طبيعتنا بكاملها في هذا الجسد. غير أنَّ الذين لا يتجاوبون مع نعمة القيامة منذ الآن تجاوباً روحيا ولا يسلكون في ”جِدَّة الحياة“ التي قدَّمها لنا المسيح بقيامته، إنما يُحوِّلـون نعمة القيامـة لهلاك نفوسهم فتصير لهم (القيامة) أقسى مـن الموت نفسه، كقول الرب: «لاَ تَتَعَجَّبُوا مِنْ هـذَا، فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِيـنَ فِي الْقُبُـورِ صَوْتَـهُ، فَيَخْرُجُ الَّذِيـنَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ» (يو 5: 29،28).

المفاعيل الروحية لقيامة الرب فينا

وقيامتنا فيه:

الحياة الجديدة التي نحياها بقيامتنا في المسيح، في رأي القديس كيرلس، هي في جوهرها علاقة حيَّة بـالثالوث الأقدس، حتى أنـه يمكننا أن نُلخِّص فكر القديس كيرلس بخصوص المفاعيل الروحية لقيامة الرب فينا وقيامتنا معه في أنها تتركَّز في إدخالنا في علاقة حيَّة مع كلٍّ من الآب والابن والروح القدس. فالقيامة تمنحنا الروح القدس، والقيامة تُشكِّلنا على صورة الابن، والقيامة تربطنا بالآب بالتبنِّي.

1. القيامة تمنحنا الروح القدس:

الروح القدس فينا هـو روح الخليقة الجديدة، هـو روح الحياة الجديدة التي أسَّسها الرب مـن أجلنا بقيامته ونقلها إلينا لمَّا نفخ في وجه تلاميذه قائـلاً: «اقبلوا الروح القدس». والقديس كيرلس يدعوه: ”روح التجديد“، قائلاً:

[لقد وُهِبَ لنا روح التجديـد، أي الروح القدس، ينبوع الحياة الأبدية، بعد أن تمجَّد المسيح أي بعد قيامته إذ نقض أوجاع الموت، وأَظهر نفسه فوق كـل فساد، وعاش حياةً جديدة حاملاً في نفسه طبيعتنا... فلمـاذا لم ينسكب الروح القدس قبل القيامة بل بعدها؟ لأن المسيح قـد صار باكورة الطبيعة المتجدِّدة لمَّا عاش من جديد ناقضاً أوجاع الموت... فكيف كان يمكن قبل ظهور الباكورة أن تتجدَّد حياة الذين يتبعونه؟](6)

وهـذا يتفق مع مـا جـاء في رسائل بولس الرسول: «وَتَجْدِيـدِ الـرُّوحِ الْقُدُسِ، الَّذِي سَكَبَهُ بِغِنًى عَلَيْنَا بِيَسُـوعَ الْمَسِيحِ مُخَلِّصِنَـا» (تي 3: 6،5). وأما نحن فإننا نلنا نفس هـذه النعمة التي نـالها الرسل بنفخة المسيح بعد القيامة، وذلك بالمعمودية، كقول القديس كيرلس:

[فقد تجدَّدت أعماقنا إلى حالةٍ أفضل بلا قياس وربحنا الولادة الجديـدة مـن (الماء) والروح الفائقة الصلاح، إذ لم تَعُدْ لنا بعد الولادة الأولى الجسدية، أي التي للفساد والخطية، بل الولادة الثانية الفوقانية من الله بالروح](7).

2. القيامة تُغيِّرنا إلى صورة المسيح:

هـذه النعمة مبنيـة على سابقتها، لأن الروح الذي نأخذه بفعل قيامة الرب، عمله الأساسي فينا هو أن يوحِّدنا في المسيح فتتغيَّر صفاتنا الطبيعية إلى صفـات المسيح. وفي هـذا يقـول القديس كيرلس في تفسيره للآية (يو 20: 22):

[إنَّ الـروح القدس يطبع شكل المُخلِّص في نفوس الذيـن يقبلونـه. والمسيح لا يمكن أن يتصوَّر في أحـدٍ إلاَّ بالمشاركـة في الروح القدس في حياةٍ مُطابقة للإنجيل. ولهذه الغاية جعل المسيح روحه القدوس يحلُّ في تلاميذه حتى يصيروا باكـورة الخليقة الجديـدة على صورة الله في المجد وعدم الفساد](8).

والواقـع أنَّ الفاعلية الكاملة لقيامـة الرب لن تُعطَى لنا إلاَّ في الحياة الأخرى حينما تقوم أجسادنا معه في المجد، إلاَّ أننا منذ الآن نستطيع أن نتَّحد روحياً بقيامته فننال منه قوة روحية لتغيير صفاتنـا إلى صفاته المقدَّسة. وفي هذا يقول القديس كيرلس:

[إننا نصير متَّحدين معه بقيامته من وجهين: فإننا، مـن جهةٍ، سنحيا مع المسيح بأن تعود أجسادنا إلى الحياة (في اليوم الأخير)؛ ومـن جهةٍ أخرى، نحن نحيا معه (منذ الآن) حينما نُقدِّم لـه نفوسنا فتتغيَّر صفاتنـا الطبيعية إلى القداسة لسيرة صالحة في الروح القدس](9).

3. القيامة تجعلنا أبناء للآب السماوي بالتبنِّي:

وهذه النعمة أيضاً متَّصلة بسابقتها، لأنه حينما تُغيِّرنا قوَّة القيامة إلى صورة المسيح، حينئذ يرى الآب فينا صورة ابنـه الحبيب فيحبُّنا نحن أيضاً كما يحب وحيده، وهو يعتبرنا أبناءً له في ابنه. وفي هذا يقول القديس كيرلس في تفسيره للآية (يو 17: 23): «وأنك أحببتهم كما أحببتني»:

[كما أننـا في المسيح - الـذي هـو باكورة جنسنا - سنصير بل قد صرنا بالفعل منذ الآن مُشابهين لصورة قيامته ومجده، هكذا قد صرنا أيضاً مثله محبوبين من الآب... على قـدر ما نُشابه ذاك الذي هو في الواقع ابنه الوحيد بحسب الطبيعة](10).

كما يقـول أيضاً: [إن المولوديـن مـن الله يفوقون جميع مواليد النساء، لأن هؤلاء لهم آباء أرضيون؛ وأما نحن فلنا الآب السماوي. لأننا قد نلنا هذا الامتياز أيضاً من المسيح الذي دعانا إلى التبنِّي وإلى الأُخوَّة معه...](11).

(يتبع)

(1) جلافير على العدد (PG 69: 624,625). (هـذه الاقتباسـات نُقِلَت بتصرُّف عـن كتاب: ”المسيح في حياتـه المقدَّسة وآلامه وموته وقيامته... من أجلنا“).

(2) تفسير إنجيل لوقا - 17: 24.
(3) الكتاب الثاني ضد تيودور 3 (LFC, p. 338).
(4) عظة 14(PG 77: 1088-1089).
(5) تفسير إنجيل يوحنا - 6: 51 (PG 73: 568).
(6) تفسير إنجيل يوحنا - 7: 39 (PG 73: 756): «الروح القدس لم يكن قد أُعطِيَ بعد، لأن يسوع لم يكن قد مُجِّد بعد».
(7) تفسير يوئيل - 2: 28 (PG 71: 380B).
(8) تفسير إنجيل يوحنا - 20: 22 (PG 74: 716).
(9) تفسير رومية - 6: 5 (PG 74: 796A).
(10) تفسير إنجيل يوحنا - 17: 24،23 (PG 74: 716).
(11) تفسير إنجيل لوقا - 7: 28.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis