تأملات في
شخص المسيح الحي
- 48 -



المسيح

عمل الخلاص الذي أتى المسيح ليُتمِّمه (16)

ثانياً: المسيح الكاهن الأعظم (9)

تقديم المسيح نفسه ذبيحة من أجل حياة العالم (4)

الصليب

وقوع كل الألم على جسد الرب ونفسه: لقد عُذِّب جسد المسيح بكلِّ طريقة مُرعبة، ”فكـل جسده صار ككُتلة من الجروح. وقد تمزَّق وتشوَّه على الصلـيب، وتمـزَّقت أعضاؤه الخارجيـة (اليدان والقدمان) المُتدلِّية من جسده بسبب وزنه فقد سُمِّرَت يـداه ورجلاه على خشبة الصليب بمسامير حديدية، وجَنْبُه خُزِق بطعنة الحربة“(1).

وبالرغم من أنَّ روايات الإنجيل لم تكن تُظهِر - عن قصد - أنَّ كل خليَّة في جسده وكل عُمْق في نفسه قد ضُرِبَ أو جُرح بالعنف البشري؛ إلاَّ أنها قـد أَظْهَرت حقّاً أنَّ كـلَّ أنواع الآلام قد اجتازها المسيح بالعُنف البشري، وقـد أَظهرت حقّاً كلَّ ما حدث.

«أنـا عطشان»: مـن أكثر وأقـوى أشكال المواجع المؤلمة في عملية الصَّلْب هـو العطش الشديد. حينما ظمأ يسوع بسبب عطشه، طلب متوسِّلاً ولـو نقطة ماء! فأعطوه بدل الماء خلاًّ ممزوجـاً بمرارة، مـا يجعله في حـالة غياب عن الوعي! فـأشاح بوجهـه رافضاً إيَّـاه (مت 27: 34)، حتى يظل بإرادتـه في حالة وعي كامل بإحساسه بكلِّ آلامه إلى أن يحين موتُه.

موتـه المُعـذَّب: إنَّ العمليات الفسيولوجيـة المُصاحبة لعملية الصَّلْب رهيبـة وشنيعة. وعادةً كـانت عملية الصَّلْب تستغرق مدَّة يومين حتى يمـوت المصلـوب. وإنَّ طـول مـدَّة حيـاة المصلوب والرُّعب الذي يُصيبه، كـان المقصود منه بالتحديد تعذيب المصلوب بأكبر عملية عذاب قبل موتـه. ولكن في حالـة الرب يسوع، لم تستغرق آلامـه سوى ساعاتٍ فقط. وربما كـان ذلك يرجع إلى نَزْف دمائـه، والصدمة العصبية التي نالته نتيجة محاكمته واستهزاء المارَّة بـه؛ بالإضافـة إلى استنزاف الماء مـن جسده بسبب صدمة ما قبل الموت.

+ وكان لابد من كَسْر قدمَي المصلوب إذا امتدَّت مدَّة صَلْبه لأكثر من يوم قبل موته، منعاً من الهرب، وللتعجيل بموتـه. وهـذه كانت تُنَفَّذ للمجرمين وقُطَّاع الطُّرُق الأشدَّاء في أجسادهم. ولكن الرب يسوع مات قبل مرور ساعاتٍ قلائل، فلم يلجأ الجنود إلى كَسْر رُكبتَيه وقدميه.

+ لم يكن في سَرْد روايـات الإنجيل أيَّـة مثاليات عاطفية لعملية صَلْب المسيح. فتركيز رُواة عملية الصَّلْب كان مُركَّزاً على أهمية وقيمة الخلاص الذي تمَّ على الصليب. وقد كتب القديس بولس بتحديـدٍ أكثر: «حاشـا لي أن أفتخر إلاَّ بصليب ربنا يسوع المسيح، الذي به قد صُلِبَ العالم لي وأنا للعالم» (غلا 6: 14).

+ لأنه لو لم يكن المسيح قد مات، ما كان قد قام من الموت. لقد كـان لابد أن يموت على أيدي الآخرين، لكي في موته يكون البشر قد ماتوا؛ وليكونوا بالتالي في قيامته، مؤهَّلين أن يقوموا معه.

+ وحسناً، أن كان موت المسيح مكشوفاً على الملأ، بالرغم من أنَّ القصد الأول من موته (في نظـر رؤسـاء اليهـود) كـان فضـح وإذلال يسوع. ومع ذلك، ففي الوقت نفسه، ورغماً عـن نيَّات اليهود هذه؛ فقد كـان موتـه بمثابة شهادة تاريخية للبشريـة في كـلِّ الأجيال اللاحقة: إنَّ الرب يسوع قـد مات على الصليب، لكي يقوم ومعه البشرية المُفتَدَاة كلها.

+ وحسب قول القديس أُغسطينوس: إنه قد تألَّم ”بهذا النوع من الموت الأكثر إذلالاً له، حتى لا يخاف شهداؤه فيما بعد مـن هـذا النوع من الموت، أي الاستشهاد!“(2).

لماذا صُلِبَ الرب يسوع بين لصَّين؟ كان ذلك تحقيقاً لنبوَّة العهد القديم: «وأُحْصِيَ مع أَثَمَةٍ... وهـو حَمَلَ خطية كثيرين، وشَفَعَ في المذنبين» (إش 53: 12؛ مر 15: 28). وحتى هنا في هذا الموضع وهو على الصليب، ظلَّ يُمارِس خدمته في إعطاء المغفرة والمُصالحة للصالبين.

لماذا ”ملك اليهود“؟ كانت العادة الرومانية أنْ تُعلَّق يـافطة حـول عُنق المحكـوم عليهم بالإعدام. وكانت اليافطة الخاصة بالرب يسوع، هي: «يسوع الناصري مَلِك اليهود» (يـو 19: 19). ولكن رؤساء اليهود اعترضوا على هـذه اليافطة، ولكن بيلاطس صمَّم على ذلك (يو 19: 22). وقد اعتبرت الكنيسة أنَّ الكلمات المكتوبة، بالرغم من أنها كانت تهكُّماً مـن بيلاطس على اليهود، لكنها صـارت إعلانـاً يحمل الوضع الحقيقي للمسيح، أنه ”مَلِك“!

لماذا صلَّى المسيح من أجل مُضطهديه؟ لأن الذي كان يعرف ما في قلوب صالبيه، هو الذي صلَّى مـن أجل أن يغفر الله لهم ما يفعلونه: «يـا أبتاه، اغْفِرْ لهم، لأنهم لا يَعْلَمـون مـاذا يفعلون» (لو 23: 34).

رمـز الصليب: لقد حـوَّل المسيح المصلوب المعنى الرمزي للصليب من كونه علامة ”الحطِّ من كرامة الإنسان المصلوب“ كوسيلة للقمْع السياسي، ليمتدَّ معناه بأذرعه الأربعة الممتدَّة من الوسط لتُصبح رمزاً شاملاً للذي جَمَعَ كل الأشياء معاً، ليصير الجميع واحداً في المسيح. ففيه صار الكلُّ: الأعلى مُتَّحداً مـع الأدنى، والشعوب التي مـن الطرف الأيمـن (الشـرق) إلى الطرف الآخـر (الغرب) صارت واحداً. وكنتيجةٍ لذلك، صرنـا نعرف المعرفة اللاهوتية، ليس فقط بالسماع، بل وبـالنظر أيضاً، ليصير الله مُعلِّمنا كلنا، كما قـال القديس غريغوريوس النيصي(3).

+ فالصليب صار يُعلِّمنا أن نكون ”متأصِّلين ومتأسِّسين في محبة المسيح“ (أف 3: 18). وكما قال القديس كيرلس الأورشليمي:

[فاجعل هذه العلامة وأنت تأكل وأنت تشرب، وأنت تجلس، وأنت مُتوجِّه إلى فراش نومك، وحينما تستيقظ، وحينما تتكلَّم، وحينما تسير. وباختصار، في كل ما تقوم به](4).

+ ويقول المُفسِّرون التقليديون إنَّ هذا بمثابة إعلام بنوع الموت الذي كان مُقبلاً عليه حينما قال: «وأنـا إن ارتفعتُ عن الأرض أجذبُ إليَّ الجميع» (يو 12: 32).

+ ويقول القديس أثناسيوس الرسولي:

[إن كان قد جاء هو بنفسه ليحمل اللعنة التي وُضِعَت علينا، فكيف يصير هو نفسه ”لعنة“ (ليس بكونه قد نال الموت الموضوع على الذين يقعون تحت اللعنة، أي الصليب)، فهو أتى ليدعـو الجميع، يهوداً وأُمماً، إلى نفسه. لاحِظ أنه وهو على الصليب، فإنَّ المصلوب المُزمع أن يموت، يموت وهـو فاتح ذراعيه للجميع، ليحتضن الجميع](5).

صرخة المسيح على الصليب:

إنَّ طريق الآلام البشرية تمَّ بطريقةٍ مؤثِّرة جداً عبَّر عنها المسيح بصرخته المُدوِّية: «إلهي إلهي لماذا تركتني؟» (مت 27: 46؛ مر 15: 34؛ عن المزمور 22: 1).

+ هذه الصَّرْخة التي ذُكِرَت باللغة الأرامية: «إلوي إلوي لَمَا شَبَقْتَني؟»، هي إشارة واضحة ذُكِرَت في الكرازة والتبشير المُبكِّرَيْن للأُمم.

+ إنَّ المفارقة هي أنَّ موت المسيح الذي كان مُعتَبَراً أنه الموت للبشرية الخاطئة كلها، تركه مُنعزلاً كُلِّيةً عن الذين هو مُنتمي إليهم. لقد كان موتـاً مُنعزلاً مع تهكُّم الجنود، ومـن امتعاض الجماهير ورَفْض الجموع له، ومن ترتيب الكهنة المُدَّعين البراءة، ثم بأَمْر السلطة السياسية في صـورة بيلاطس الوالي الذي غسل يديـه مـن دم المسيح، وحتى اللصُّ المُعلَّق على الصليب – بجـانب صليب المسيح – أَلقى عليه بالتُّهمـة والاستهزاء. وهذا هو المقصود جزئياً من وَصْفه ”متروكاً“ باعتباره ”بقية إسرائيل“. ولكن هل كان حقّاً متروكاً مـن الآب! كما يبدو مـن ظاهر الكلمات التي قيلت عن استهزاء وتحدٍّ؟ «إنْ كان هو مَلِك إسرائيل فلْينزل الآن عن الصليب فنؤمن به! قد اتَّكل على الله، فلْيُنقِذْهُ الآن إنْ أراده! لأنه قال: أنا ابنُ الله!» (مت 27: 43،42).

بشريته كـانت مُستَعْلَنة للجميع: يرى القديس أمبروسيوس أنَّ هذه الصرخة كانت كلحظة نَمَطية من لحظات تجسُّده البشري الذي يلتحف به ابن الله وكلمة الله، وككشْفٍ لشخصيته البشرية المُمثِّلة للبشر جميعاً الذين وقعوا في الخطية، تلك الشخصية التي تجسَّدها كلمة الله، ولكن بدون أن يفعل خطية البتَّة: «مَن منكم يُبكِّتني على خطية؟» (يو 8: 46).

+ يقول القديس أمبروسيوس:

[بحسب الجسـد، فـإنَّ المسيح وهـو على الصليب كان مُتَخَلَّى عنه، أمَّا بحسب لاهوت الابن المتَّحد به (بالناسوت) فلم يكن متروكاً ولا مُتَخلَّـى عنـه مـن الآب... لـذلك، فهـذه الصرخـة: «لماذا تـركتني؟»، قـالها بحسب بشريَّته التي تجسَّدهـا... لأن كلمة ”خطية“ هي غريبـة عـن مـلء لاهوت الابـن المتجسِّد. فالكلمات التي تُعبِّر عن الخطية هي غريبة عن لاهوتـه؛ ولكن من حيث إنَّ المسيح قـد حَمَلَ على نفسه خطايا البشر، فهذه الكلمات غريبة عـن اللاهوت؛ ولكن ”أنا“ المسيح قد حَمَلَ على نفسه خطايا الآخرين، فـ ”أنـا“ (كابـن الله المتجسِّد) ”صرتُ متروكاً من الله الآب“](6).

تعلَّم الطاعة مِمَّا تألَّم به: إن تخلِّي الآب عن المسيح وهـو على الصليب، كـان تعـبيراً عـن طاعتـه للآب وهـو لابسٌ البشرية التي أخطأتْ، وليس بسبب خطيته، فهـو: «(أي الآب) جعل الذي لم يعرف خطيَّةً، خطيَّةً لأجلنا، لنصير نحن برَّ الله فيه» (2كو 5: 21). ولكن هي خطايا البشرية التي حَمَلها في جسده الطاهـر. لذلك، فحينما يتخلَّى الله عنَّا بوضوح، فإنه يكون في وضعٍ أنه عازمٌ أن يُخلِّصنا، كما في موت الرب يسوع بالجسد.

ولكن هذا الهُجران المؤقت لم يكن هُجراناً ولا تخلِّيـاً نهائيـاً مـن الآب: صرخـة المسيح على الصليب لم تكن تخلِّياً عن الابن الكلمة المتجسِّد من قِبَل الآب، وكأن الله قـد انصرف عنه؛ ولكـن الله إذ رأى الطبيعـة الإلهيـة والطبيعـة البشريـة متَّحدتين معاً في المسيح، فلم يكن مُمكناً كَسْر وفضُّ هذا الاتِّحاد بالعقاب ولا بالموت الأبدي.

+ ويقول القديس غريغوريوس اللاهوتي:

[لم يكن المسيح هو الذي يتمُّ التخلِّي عنه سواء من الآب أو من الابن المتجسِّد (نفسه). ولكن، كما قلتُ، كان الكلمة المتجسِّد يُمثِّلنا في شخصه، ونحـن الذيـن كُنَّا متروكـين ومنبوذيـن مـن قبل؛ ولكنه الآن، وبواسطة شخص الذي أرسله، خلَّصنا](7).

لكي يتمَّ ما هو مكتوبٌ في الأسفار الإلهية: إنَّ النبوَّة التي قيلت في المزمور 22: 1: «إلهي إلهي لماذا تركتني؟»، هي مرجعيَّة تخصُّ مجيء المسيَّا المسيح. وهذه الآية تعني أن يسوع هو ”المسيَّا - المسيح“ المُنتَظَر. وفي نفس المزمور تُذكَر آيات عن يَدَيِّ ابن الله المتجسِّد وقدميه ”أنهمـا سيُثقبان“: «ثقبـوا يـديَّ ورجليَّ. أُحْصِي كـل عظامـي، وهـم ينظرون ويتفرَّسون فيَّ. يَقْسِمون ثيابي بينهم، وعلى لباسي يقترعون» (مز 22: 16-18).

(يتبع)


(1) Athanasius, Incarnation of the Word, 24-25; NPNF, 2, IV, pp. 49-50.
(2) Augustine, The Creed, 3,9; FC 27, p. 297.
(3) ARI 32, LCC III, p. 311.
(4) Cyril of Jerusalem, Catech. Lect., IV,14; LCC IV, p. 106.
(5) Athanasius, Incarnation of the Word, 24; NPNF, 2, IV, p. 491.
(6) Ambrose, Incarn. of Our Lord, 5,38; FC 44, p. 233.
(7) Orat. XXX,5; LCC III, p. 180.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis