دراسة الكتاب المقدس


مقدِّمات الأسفار
- 29 -

ثانياً: الأسفار التاريخية

7 - سِفْر الملوك الثاني (3)

(تابع) أقوال آبائية عن السِّفْر:

6. [هوذا معجزتان معروفتان صنعهما أليشع عندما كان بين تلاميذه. فقد أتمَّ الأولى حينما أَبطل سُمَّ الموت الكائن في القِدْر حينما صرخوا قائلين: «في القِدْر موتٌ يا رجل الله» (2مل 5: 40). وصَنَع المعجزة الثانية حينما أشبع مائة من الأنبياء بقليل من الخبز. ففي كلتا المعجزتين كان يُشير إلى ذاك (الرب يسوع) الذي أشبع بقليل من خبزات الشعير ما يَقرُب من خمسة آلاف رجل مـا عدا النساء والأطفال (انظر مت 14: 13-21)](1) - القديس أفرام السرياني.

7. [كان نُعمان (القائد السرياني) يُعاني من البَرَص، ولَمَّا عَلِمَ أنَّ هناك نبيّاً يعيش تحت ولاية يهورام ملك إسرائيل يمكنه أن يشفيه، سافَر متَّجهاً إلى بلاد مَن في مقدوره أن يشفيه، وذهب مباشرة إلى بيت أليشع، لأنه عَلِمَ أنه هو النبي الذي يمكن أن يُعينه في محنته، ورأى أنه ينبغي عليه أن يطلب منه بنفسه أن يُشفَى. ولكن أليشع لم يخرج لمقابلته أو حتى التحدُّث معه، واكتفى بأن يُبلِّغه بواسطة رسول أنه إن كان يريد أن يُشفَى، فعليه أن يغطس في ن‍هر الأردن سبع مرات. وهنا يبرز سؤال: لماذا امتنع أليشع عن أن يراه نعمان ويسمح له بالمجيء إلى بيته؟

في المقام الأول (حسب رأي ال‍مُفسِّر) لأنه عاوَن بنهدد (ملك أرام) في حروبه (ضد إسرائيل) (انظر 1مل 20: 1-43). ففي الواقع، كان النبي يعرف أنَّ ملك أرام قد قَتَل الكثيرين من بني إسرائيل ومقدار الخراب الذي حدث في بلاده بواسطة نُعمان، وكيف تلوَّثت يداه بدماء بريئة، لأنه كان قائد جيش بنهدد، وقد حصل على كامل السلطة في جيوش الأراميين. وفي المقام الثاني: فإنه قد صار عاجزاً بسبب إصابته بالبَرَص، وبناءً على ذلك فإنَّ أليشع كان يَعْلَم بأنَّ القانون (الناموس اليهودي) كان يقضي بأن الأبرص لا يجب الاقتراب إليه أو ملامسته. أمَّا نعمان فإنه قد غضب، ولام أليشع وعاب تصرُّفه ومضى قائلاً: إنه لم يكن يتوقَّع قط أن يأتي إلى نبيٍّ لكي يراه ويعمل له أعمالاً سرائرية (لشفائه). وإنه لم يكن ينتظر منه مثل تلك الكلمات (التي أرسلها له). وكان يعتقد أنَّ شفاءه كان سيتمُّ بمجرد وضع يدَي النبي عليه. وهكذا لام أليشع قائلاً: لماذا لا يخرج لمقابلة رجل ذي سلطان قد جاء إليه في بيته؟ ولماذا لم يشفني بالدواء الذي يستخدمه والأسهل بالنسبة لي؟ ولكنه بالعكس، فقد أرسلني إلى ن‍هر الأردن، وكأن هذا النهر هو الذي حقّاً سوف يُطهِّرني، أليس هناك أن‍هار في بلادي مثل أبانة وفرفركافية لتطهيري؟

ليس عجباً لمثل هذه الأفكار ال‍مُشكِّكة أن تدور في ذهن هذا الرجل الذي كان قد سمع بأُذنيه (عن معجزات النبي) وقارن‍ها بكلماته. فرجُلٌ هذا مقداره في الجيش ليس من السهل أن يُدرك السرَّ المخفي في مثل هذا الشفاء المعجزي. وعندما أُقنِعَ نعمان بالذهاب للأردن ليكون هو الدواء القادر على شفاء أي إنسان بشري، أطاع وشُفي. فبالتأكيد، فإنَّ الخطية هي بَرَص الروح، التي لا يمكن إدراكها بالحواس، ولكن التعقُّل والحكمة هما البرهان على ذلك، والطبيعة البشرية ينبغي أن تتقبَّل خلاصها من هذا المرض بواسطة قوَّة المسيح ال‍مُخفاة في المعمودية. لقد كان ضرورياً أنه لكي يُشفَى نعمان من مرضين أصابا الروح والجسد أن يتمَّ في شخصه مثال لتطهير كل الأُمم بواسطة حميم الميلاد الثاني، الذي كانت بدايته في ن‍هر الأردن: الأُم وأصل المعمودية](2) - القديس أفرام السرياني.

8. [طلب نعمان السرياني (بعد معجزة شفائه من البَرَص) الحصول على بعضٍ من تراب أرض الموعد مِمَّا يدعو إلى ما يجلب الخجل لإسرائيل، وذلك لكون أن غريباً (عن إسرائيل) اعتقد في أنَّ مجرد التراب من أرض إسرائيل مليء ببركة حضور الله، بينما العبرانيون أنفسهم لا يؤمنون حتى في كون الله يسكن في أنبيائهم](3) - القديس أفرام السرياني.

9. [عندما ألقى أليشع قطعةً من الخشب في ن‍هر الأردن غطست في الماء، وطَفَا فـوق السطح الرأس الحديد الذي للفأس التي كانت قد سقطت في النهر، وكانت مع بني الأنبياء عندما بدأوا في قطع الخشب (من الغابة) لبناء مكان للاجتماع فيه للقراءة والدراسة في وصايا الله؛ وكان هذا رمزاً لِمَا عمله مسيحنا، حينما صُلِبَ على الخشبة وقدَّسنا بالماء ورفعنا منه نحن الذيـن كُنَّا غـارقين في حمأة خطايانا المميتة وصنع منَّا مسكناً للصلاة والعبادة](4) - القديس الشهيد يوستينوس.

10. [صلَّى أليشع للرب وقال: «اضرب هذا الشعب بالعَمَى» (انظر 2مل 6: 18). وضرب‍هم الرب بالعَمَى حسب ما تكلَّم أليشع. فقد أرسل بنهدد ملك الأراميين، جيشاً عظيماً لمحاصرة مدينة دوثان وأمرهم بأن يقبضوا على أليشع، الذي كان يسكن هناك حينذاك. ولَمَّا رأى خادم أليشع جيش الأراميين ارتعب. ولكن أليشع (صلَّى إلى الله) فانفتحت عينا الرجل الشاب وأراه صفوف القوات النارية التي أقامها الرب حوله ضد الأراميين، فتبدَّد خوفه. وفي نفس الوقت ضُرِبَت عيون الأعداء بالعَمَى، ولم يعرفوا طريقهم. فسألوا أليشع كي يقود مسيرت‍هم، فقادهم إلى السامرة، وهناك حوصروا داخل أسوارها. وحينئذ انفتحت أعينهم وأدركوا الخطورة التي وقعوا فيها بإرادت‍هم. ولكن أليشع أَمَرَ بأن لا يمسَّهم أحدٌ بأذى، وبناء على طلبه استقبلهم الملك يهورام بحفاوة وقدَّم لهم مأدبة عشاء، وصرفهم في سلام إلى بلادهم.

وهذا هو المعنى الرمزي لهذه الحادثة (2مل 6: 13-23): أعلن الله ما سيتمُّ مستقبلاً من خلال النبي إشعياء: «غَلِّظ قلب هـذا الشعب وثَقِّل أُذنيه واطْمُس عينيه، لئلا يُبصِر بعينيه ويسمع بأُذنيه ويفهم بقلبه ويرجع فيُشفَى» (إش 6: 10). لقد عَمَى بنو إبراهيم بحُكْمٍ عادل مـن الله، بسبب إرادت‍هم المنحرفة. فقد طلبوا أن يُقتل مخلِّص العالم، وحاولوا أن يمحوا كل ذِكْر له تماماً، ولكن المسيح قد حوَّلهم من انحرافهم إلى السلوك السليم. لقد خلَّص مضطهِديه مـن عماهم وأعطاهم خبز السماء. ثم جعلهم ينتشرون في كلِّ الأرض ليكرزوا بعجائبه. هؤلاء هم الذين رجعوا من جبل الجلجثة يقرعون على صدورهم (لو 23: 48). وقالوا لسمعان وباقي الرسل بقلوبٍ منكسرة: «مـاذا نصنع أيها الرجال الإخوة؟» (أع 2: 37). وهكذا حدث أيضاً مع شاول، مضطهِد الكنيسة الذي كانت عيناه مفتوحتين دون أن يرى، والذي أغلق الله عينيه بأعجوبة ثم فتحها ثانية في فترةٍ سريعة (أع 9: 18،8)، والذي أَمَره الله أن يحمل اسمه أمام أُمم وملوك وبني إسرائيل (أع 9: 15)](5) - القديس أفرام السرياني.

11. [قال أليشع: «غداً (تكون كيلة الدقيق بشاقل وكيلتا الشعير بشاقل في باب السامرة) إذ يحدث الانفراج من الحصار والمجاعة في مدينة السامرة» (2مل 7: 1 - حسب النص). ولكن جنديّاً للملك يهورام سَخَر من هذه الكلمات وهزأ بقَوْل النبي (قائلاً: «هوذا الرب يصنع كُوًى في السماء. هل يكون هذا الأمر؟»)، فردَّ عليه أليشع كما جاء في نص الكتاب هنا: («إنك ترى بعينيك ولكن لا تأكل منه» - 2مل 7: 2). وقد أرسل الجندي لأليشع رسولاً من طرفه للقبض عليه أو قتله، ولكنه تاب بعد ذلك عن الشرِّ الذي خطَّط له وسعى لتنفيذه، ومنعه من تنفيذ رغبته. هذا الرجل المسكين قد رأى بعد ذلك، نجاة المدينة (من المجاعة) والرخاء الذي عمَّ البلاد عقب ذلك، والذي لم ينتفع منه ذاك الجندي، لأن كل سُكَّان المدينة خرجوا في ذلك اليوم للسَّلْب والنهب، فدهسوا ذلك الجندي ومات. ففي مصيره التعس يرمز إلى سقوط بني إبراهيم، أولئك الذين رأوا ”خبز الحياة“: «النازل من السماء» (يو 6: 58)، لأجلهم، ولكن أكثرهم لم يكونوا مستحقِّين للتمتُّع ب‍هذه الخيرات ال‍مُحيية، على الرغم من أنه في نفس الوقت، كان قـد أُعْطِيَ لكل أولئك الذين طلبوه بواسطة نعمة ربنا يسوع المسيح مُخلِّصنا](6) - القديس أفرام السرياني.

12. [ليست الأجساد فقط بل أيضاً قبور القدِّيسين نفسها ملآنة بالبركة الروحية. لأنه إذا كان هذا قد حدث في حالة أليشع (النبي)، فإنَّ جثماناً لميتٍ عندما لمس قبره، مزَّق رُبُط الموت وعاد للحياة مرة أخرى؛ فبالأحرى جداً الآن، بعدما أصبحت النعمة أكثر وأوفر، وقوة الروح أعظم، فإنه من الممكن أنَّ واحداً يلمس بإيمانٍ قبر (قديس)، فينال قوة عظيمة. وبناءً على ذلك، فإنَّ الله قد سمح لنا برفات القدِّيسين، راغباً في أن يقودنا بواسطتهم إلى نفس الاختبار ويمنحنا نوعاً من الملاذ وملجأً آمِناً من الشرور التي كثيراً ما تُباغتنا. لذلك فإني أتوسَّل إليكم جميعاً، إن كان أحدٌ منكم في قنوطٍ، أو في مرضٍ، أو تحت مهانةٍ، أو إن كان في أيِّ ظرفٍ من ظروف هذه الحياة، أو حتى إن كـان في عُمق الخطايـا؛ دَعْه يأتي إلى هنا بإيمانٍ، وليطرح جانباً كل تلك الأمور ويرجع بفرح عظيم، وقد حصل على ضميرٍ أكثر ارتياحاً من المكان وحده. بل وأكثر من ذلك، فإنه ليس بالضرورة أن يأتي إلى هنا أولئك الذين هم في ضيقة، وإنما إن كان أحد في حالة ابتهاج، أو في مجد، أو في قوة، وفي ثقة كاملة من نحو الله، فليت هذا الشخص لا يحتقر هذه المنفعة. فإنه إذا أتى إلى هنا وتعلَّق ب‍هذا القديس، فإنـه سيحفظ هـذه الصفات النبيلة التي اقتناها راسخة، مُقنعاً نفسه ذات‍ها بأن يكون متَّضعاً بتذكُّره أعمال هذا الشخص الجبَّارة، ولا يُرهق ضميره بالأعمال المقتدرة (لذلك القديس) راغباً في التمثُّل ب‍ها فيُصاب بالغرور](7) - القديس يوحنا ذهبي الفم. (يتبع)

(1) St. Ephrem the Syrian, On the Second Book of Kings 4:38 (ESOO 1: 530).
(2) St. Ephrem the Syrian, On the Second Book of Kings 5:1911 (ESOO 1: 531-32).
(3) Ibid., 5:17 (ESOO 1: 533).
(4) St. Justin the Martyr, Dialogue with Trypho 86 (FC 6: 286).
(5) St. Ephrem the Syrian, On the Second Book of Kings 6:18 (ESOO 1: 534-35).
(6) Ibid., 7:1 (ESOO 1: 537-38).
(7) St. John Chrysostom, Homilies on St. Ignatius & St. Babylas 5, (NPNF,1, 9:170).

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis