قصة من واقع الحياة



المُزارع الرحيم

خلال السنوات الأخيرة من الكساد الاقتصادي في القرية الصغيرة التي تُدعَى ”إيداهو“، وقفتُ أمام منصَّة البيع التي للسيِّد ”ميلر“ على جانب الطريق، وذلك للبحث عـن المنتجات الزراعية الطازجـة التي أفرزهـا موسم الحصاد، والتي صارت مُتاحة للبيع. وكان الغذاء والمال، في تلك السنوات الصعبة، لا يزالان شحيحَيْن للغاية.

وفي أحـد الأيام كـان السيد ”ميلر“ يُعبِّئ لي بعض ثمـار البطاطس الطازجة. وقـد لاحظتُ وجود صبيٍّ صغير رقيق العظام وبسيط الملامح، وكان يلبس ملابس رثَّة، ولكن على كـلِّ حالٍ كانت نظيفة، ويبدو عليه الجوع، وهو يحمل في يده سلَّة من البطاطس الطازجة.

في ذلك الوقت، دفعتُ ثمن البطاطس التي اشتريتها، ولكني كنتُ مُنجذباً أيضاً إلى منظر البازلاء الخضراء الطازجة، فأنا سهل الانجذاب للبازلاء والبطاطس الطازجة.

ولشـدَّة تفكيري في البازلاء الطازجـة، لم يتسنَّ لي الاستماع إلى الحديث الذي كـان يدور بين السيِّد ”ميلر“ والصبي ذي الملابس المُتهرِّأة والذي كان يقف بجواري.

(+( (

وهنا سأل بائع الخضار الفتى الصغير:

+ مرحباً ”باري“، كيف حالك اليوم؟

+ أهلاً السيد ”ميلر“. أنا بخير، وشكراً.

ثم أردف: ”ما أجمل البازلاء اليوم“.

+ بالتأكيد! إنهـا تبدو جيدة، يـا باري. وبالمناسبة كيف حال والدتك؟

+ هي بخير وهي تتحسَّن باطِّراد.

+ حسناً. أيُّ شيء يمكنني أن أُساعدك به؟

+ لا، شكراً يـا سيدي. إنني مُعجبٌ بهـذه البازلاء!

+ هل تُريـد أن تـأخذ بعض البازلاء إلى المنزل؟

+ لا يـا سيدي. ليس معي ما أَدْفعُه مُقابل ذلك.

+ حسناً. ماذا لديك لتُبادلني به مقابل بعض تلك البازلاء؟

+ كل ما حصلتُ عليه من البِلْي (الذي يلعب به الأطفال)، وهو جائزتي.

+ هل هذا فعلاً؟ اسمح لي أن أراه!

+ هوذا البِلْي.

+ ما أراه هو البِلْي الأزرق اللون، وأنا أحب البلْي الأحمر اللون. هل لديك في المنزل واحدة مثل تلك تكون حمراء اللون؟

+ لستُ متأكِّداً بالتحديد، ولكن ربما!

+ أقول لك: خُذْ معك هذا الكيس من البازلاء إلى البيت، وعند مجيئك في المرة القادمة، اسمح لي أن أرى تلك البِلْية الحمراء.

+ مـن المؤكَّد أني سأفعل هذا. شكراً السيِّد ”ميلر“.

(+(+(

وجاءت السيدة ”ميلر“، والتي كانت تقف في مكانٍ ما قريب، أتت لمساعدتي (أنا الرجل الذي اشترى ثمار البطاطس الطازجة). وبابتسامة على شفتيها، قالت:

- ”هناك اثنان آخران مـن الأولاد مثل هذا الولد، وأولئك الأولاد الثلاثة هم في حالة سيِّئة للغاية. و"جيم" لم يكن يحب أن يُساوِم معهم في أسعار البازلاء والتفاح والطماطم، أو أي نوع من الخضروات. وعندما كانوا يعودون ومعهم "البِلْي الأحمر"، كما كانوا يفعلون دائماً، كان يقول لهم إنه لا يحب البِلْي الأزرق أبداً، وأنه كان يُرسل معهم لمنازلهم أكياساً من المنتجات الزراعية ذات اللون الأخضر أو اللون الأحمر مثل الطماطم“.

ثم بعد ذلك غادرتُ مَنَصَّة بيع الخضروات وأنا أبتسم وأُعجب بهذا الرجل.

(+( (

وبعـد وقـتٍ قصـير توجَّهتُ إلى ”ولايـة كولورادو“، لكنني لم أنسَ أبداً قصة هذا الرجل مع أولئك الأولاد، والمُقايضة التي بلا ثمن معهم.

ومرَّت عدَّة سنوات، كانت أسرع من سابقاتها مـن السنوات. وأخـيراً، تصادَفَ أن أُتيحت لي الفرصة لزيارة بعض الأصدقاء القدامى في هذه القرية ”إيداهو“. وبينما كنتُ هناك، عَلِمتُ أن السيِّد ”ميلر“ قد تُوفِّي. وكانت الجنازة ورؤية الجثمان والدفن في هـذا المساء. ولمعرفتي بأصدقائي هناك وعَزْمُهم على الاشتراك في مراسيم الجنازة، عزمتُ أنا أيضاً على الذهاب، فرافقتُهم.

ولـدى وصـولي إلى الكنيسة، كـانت فرصـة لتعزيـة أقـارب الفقيد، وتقديم واجـب العزاء على قَدْر ما يُمكنني.

وكـان يقف معاً، أمامنا، في مقدِّمة المُعزِّين، ثلاثة شُبَّان: واحدٌ في زِيِّ الجنود؛ واثنان آخران كانـا حليقي الشعر ويرتديـان ثياباً سوداء بياقة بيضاء، فكانـا قسيسَيْن. وعندئذ اقترب القسيسان من السيدة ”ميلر“، ووقفا في وَرَعٍ وخشوع أمام نَعْش زوجها المُتوفِّي، وصلَّيا صلاة قصيرة. ثم تقدَّم كل واحد منهما وطَبَعَ قُبْلة على خَدِّ السيدة ”ميلر“، ثم تحدَّثا معها لفترةٍ وجيزة، وبعد ذلك رجعا مرة أخرى إلى النَّعْش. وكانت عينا السيدة ”ميلر“ قـد اغـرورقت بالدمـوع وهي تُتابعهما بنظراتها الواحد تلو الآخر.

وقد توقَّف كل شاب منهما أمام النَّعْش لفترةٍ قصيرة، ووضع يـده الدافئة على اليد الشاحبـة الباردة للجثمـان المُسَجَّى في النَّعْش. ثم ابتعـد كلاهما عـن النَّعْش بتأثُّرٍ بالـغ، وهما يُكفكفان الدموع التي اغرورقت بها أعينهما.

وجاء دورنا للقاء السيدة ”ميلر“. وقد عرَّفتها بنفسي، وذكرتُ لها قصة كانت قـد أخبرتني بها عن البِلْي. وبينما كانت عيناهـا دامعتين، أمسكت بيدي وقادتني إلى النَّعش. ثم قالت:

- ”كـان أولئك الشُّبَّان الثلاثة الذين غادروا المكان للتوِّ، هم الأولاد الذيـن حدَّثتك عنهم من قبل. إنهم هم الذين قالـوا لي كيف إنهم يُقدِّرون المُعاملة الطيِّبة التي عاملهم بهـا "جيم". والآن، عندما لم يستطع "جيم" أن يُغيِّر رأيه حول لون وحجم "البِلْي"، جاءوا لدفع الديون“!

وكشفت السيدة ”ميلر“ السر التالي:

- ”نحن لم نقتنِ قَدْراً كبيراً من ثروات هـذا العالم، كما هـو معهود، ولكن في الوقت الحالي، فإنَّ "جيم" كـان يُعتَبَر أنـه أغنى رجل في قرية إيداهو“.

وفي محبةٍ عميقة من نحو زوجها ”ميلر“، رفعت السيدة ”ميلر“ الأصابـع الهامـدة التي لزوجها المُتوفِّي، وإذا تحتها كـانت هناك ثلاث بِلْيات حمراء تلمع ببريقٍ رائع!

(+( (

- وهذه حكمة يجب أن نضعها نصب أعيننا:

+ ”نحن لن تكون لنا ذِكْـرى بكلامنا، بـل بأفعال الرحمة التي نؤدِّيها“.

+ ”حياتنـا لا تُقَيَّم بـأنفاسنا التي نتنفَّسها، ولكـن بـاللحظات التي نحب فيها المحتاجـين ونُعطيهم“.

(+(+(

+ «فلو علمتُم مـا هـو: إني أُريـد رحمةً لا ذبيحة، لَمَا حكمتُم على الأبرياء» (مت 12: 7).

+ «مُستغنين في كلِّ شيء لكلِّ سخاءٍ يُنشئ بنا شُكراً لله. لأن افتعال هذه الخدمة ليس يَسُدُّ إعواز القدِّيسين فقط، بل يزيد بشُكرٍ كثير لله» (2كو 9: 12).

+ «وأمَّا الحكمة التي مـن فوق فهي أولاً طاهـرة، ثم مُسالمة، مُتَرَفِّقة، مُـذعِنَة، مَمْلُوَّة رحمـةً وأثماراً صالحـة، عديمة الرَّيب والرياء» (يع 3: 17).

+ «وأمَّا مَـن كان له معيشة العالم، ونظر أخاه مُحتاجاً، وأغلق أحشاءه عنه، فكيف تثبُت محبة الله فيه؟ يـا أولادي، لا نُحِبُّ بالكلام ولا باللسان، بـل بالعمل والحق» (1يو 3: 18،17).

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis