تأملات روحية



«عظيم هو سر التقوى:
الله ظهر في الجسد»
(1تي 3: 16)

«عظيمٌ هو سر التقوى»:

لقد اهتمَّت الكنيسة في عصورها الأُولى بهذا الجزء مـن رسالة القديس بولس الرسول الأولى إلى تلميـذه تيموثـاؤس، والذي يبـدأ بقـوله: «وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُـوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ» (1تي 3: 16)؛ على اعتبار أنـه كان أحد ترانيم الكنيسة الأولى التي يترنَّم بها أعضاؤها. فهـذه الكلمات التي ذَكَرها بولس الرسـول، هي تعبيرٌ حقيقي عـن إيمان المؤمنين بشخص الرب يسوع ابن الله المُتجسِّد الذي أكمل لنا تدبير الخلاص، وأعاد الإنسان مرَّةً أخرى إلى رُتبته الأولى كابنٍ لله بالنعمة في ابنـه الوحيـد الحقيقي ربنا يسوع المسيح، وبـالروح القدس الذي سَكَبَه الآب علينا بغنًى بيسوع المسيح مُخلِّصنا.

فإن كان الغنوسيون يهتمُّون بالمعرفة العقلانية، حسب اعتقادهـم، التي ستُوصِّلهم إلى معرفـة الله وبـالتالي الخـلاص، دون اعتمادٍ على نعمـة الله المجَّانية؛ إلاَّ أن الكنيسة، عمود الحق وقاعدته، تُعلِّم أعضاءها أن ترتكـز عقيدتهـم على الإيمان القلبي الحقيقي - كخبرة حياتية - وليس مجـرَّد معرفة عقلانية أو إيمان نظـري. وبهـذا الإيمان القلبي العملي، يَختبرون حقيقة شخص الرب يسوع كلمة الله المُتجسِّد، الذي تجسَّد، واعتمد، وتألَّم، وصُلِبَ وقُبِرَ، وقام من بين الأموات، ثم صعد إلى السموات وجلس عن يمين الآب بالجسد الذي أَخذه منَّا؛ من أجلنا ومن أجل خلاصنا.

وبقبولنا الروح القدس، الذي هـو غاية تدبير الخلاص الذي أكمله الرب يسوع، تنتقل إلينا كل مفاعيل وثمار ما عمله المسيح من أجل خلاصنا؛ فيصير إيماننا إيمانـاً واقعيّاً عمليّاً - وليس إيماناً نظريّاً - وتصير حياتنا حياة شركة حقيقية مع الله في المسيح يسوع ربنا وبالروح القدس.

«الله ظهر في الجسد»:

لكي نُـدرك عظمة هـذا السـر العظيم الذي لا يُسْبَر غَـوره، لابـد لنا أن نستمع جيِّـداً إلى آبـاء الكنيسة الأولى.

+ فالقديس إيرينيئوس يؤكِّد أن ابن الله الحقيقي تجسَّد وصار إنسانـاً كاملاً، إذ اتَّحـد لاهوته بكل مُكوِّنات الطبيعة الإنسانية. وبالتالي يصير خـلاص الإنسـان أكيداً ومضمونـاً كنتيجة طبيعية لاتِّحاد اللاهـوت بالناسوت في شخص المسيح كلمة الله. فكلمـة الله لم يتَّحـد بطبيعة أخـرى غير الطبيعة البشرية، لكي يهبها الخلاص والشفاء والحياة.

[إن كـان الرب قـد تجسَّد لأجـل أي مخلوقٍ آخر، وأَخَذَ جسـداً مـن أيِّ جوهـر آخر؛ فإنه عندئذ لا يكون قـد جَمَع الطبيعة البشريـة في شخصه، ولا يمكـن - في هـذه الحالـة - أن يُدعَى جسداً... ولكن إن كـان مـن الضروري بالنسبة له أن يأخذ مادة جسده من جوهر آخر (غير الطبيعة البشريـة)، لكان الآب في البدء قد شكَّل مادة الجسد مـن جوهر مُختلف عن ذلك. ولكن الآن فـإنَّ الوضع هكـذا: إنَّ الكلمة قـد خلَّص ذلك الذي قـد هلك، عاملاً بواسطة نفسه تلك الشركة التي يجب أن تكـون معه، واهباً لنا خلاصه. ولكن الذي قـد هلك كان له جسدٌ ودمٌ؛ لأن الرب (في البدء) أَخَـذَ تراباً مـن الأرض وشكَّل منه إنساناً، والذي مـن أجله، حدث كل تدبير مجيء الرب. لذلك، أَخَذَ هـو نفسه جسداً ودماً، جامعاً في ذاتـه ليس مخلوقاً آخـر، بـل صنعة يـد الآب الأصلية، طالباً (خلاص) ذاك الذي قـد هلك. ولهـذا السبب يقـول الرسـول (بولس) في الرسالة إلى أهل كولـوسي: «وَأَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً أَجْنَبِيِّينَ وَأَعْدَاءً فِي الْفِكْـرِ، فِي الأَعْمَالِ الشِّرِّيرَةِ، قَـدْ صَالَحَكُـمُ الآنَ فِي جِسْمِ بَشَرِيَّتِـهِ بِـالْمَوْتِ، لِيُحْضِرَكُمْ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ وَلاَ شَكْوَى أَمَامَهُ» (كو 1: 22،21). وهو يقول ”قد صالحكم في جسم بشريته“، لأن الجسد البار (جسد الرب الخاص) قد صالَح ذلك الجسد الذي كان تحت العبودية بالخطية، وأتى به إلى الشركة مع الله](1).

+ ثم يؤكِّد القديس إيرينيئوس أنَّ جسد المسيح كان جسداً مساوياً لنا - كبشرٍ - في الجوهر؛ بمعنى أنه مـن نفس جوهـر وطبيعة أجسادنا ولا يختلف عنها في شيء، أي شابهنا في كـلِّ سِمَات وصفات الطبيعة البشرية، ما خلا الخطية.

[إن كـان (أحدٌ) يدَّعي أنَّ الرب كـان يملك جوهراً آخـر للجسـد (يختلف عـن طبيعتنا البشرية)، فـإنَّ الأقـوال عـن المُصالحة (بين الله والإنسان) لـن تتفق مـع ذلـك الإنسـان (المُدَّعي)، لأن الذي صُولِح هـو الذي كان قبلاً في عداوة. فلو إنَّ الرب كان قد اتَّخذ جسداً من جوهرٍ آخر، لَما كان بهذا قد صالَح الإنسان مع الله، الذي كان مُعادياً (لله) بسبب التعدِّي.

ولكن الآن عـن طريق الشركة معه، فقـد صالَح الربُّ الإنسانَ مع الله الآب، بمُصالحتنا لنفسه في جسم بشريته وبفدائنا بدمه، كما يقول الرسـول (بولس) لأهـل أفسس: «الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا» (أف 1: 7).

فتذكَّر... إذن، أنك قـد افتُديتَ بجسد الرب، وأُعيد تأسيسك بدمه؛ وإذ تمسك بالرأس (كو 2: 19) الذي منه كـل جسد الكنيسـة مُرتبطاً معاً ينمو مـن الله، أي مُعترفـاً بمجيء ابـن الله في الجسـد، وبلاهوتـه، ومُتطلِّعاً إلى طبيعتـه البشريـة (التي اتَّحـد بها) بانتظارٍ صبور (أي إلى مجـيء المسيح الثاني في مجـده)، نافعاً نفسك أيضاً مـن هـذه البراهين المأخوذة مـن الكُتُب المقدَّسة؛ (فإنك) هكـذا تُطيح بسهولة بكلِّ تلك الأفكار التي للهراطقة](2).

+ أمَّا محـور خلاصنا عند القديس أثناسيوس الرسولي فهـو الاتِّحاد الذي تمَّ في شخص المسيح بين الطبيعة الإلهية والطبيعة البشريـة. وهكذا يكون اتِّحاد اللاهوت بالناسوت الذي تمَّ في المسيح يسوع ربنا هـو مصـدر ونبع خلاصنا. وبالتالي لا يمكننا قبول الخلاص إلاَّ باتِّحادنا بالله في المسيح ربنا.

[لأن الله صالحٌ، وهو أبو الصلاح، وإذ تحنَّن وأراد أن يصير معروفاً مـن الجميع، فقـد جعل ابنه الذاتي (الأزلي) يلبس جسـداً بشريّاً ويصير إنساناً ويُدْعَى يسوع، لكي يبذل نفسه - في هـذا الجسد - لأجل الجميع، ويُخلِّص الجميع مـن الضلال بعيداً عـن الله، ومـن الهلاك، ويصير هو نفسه ربّاً وملكاً للكلِّ...

لأنـه وإن كـان الكلمة، وهو في صورة الله، اتَّخذ صورة عبد؛ إلاَّ أن اتِّخاذه الجسد لم يجعـل الكلمة - وهـو ربٌّ بالطبيعة - أن يكون عبداً (مـن جهة لاهوته)؛ بل بالحري فإنَّ الكلمة بهـذا الحَدَث (أي اتِّحاده بطبيعتنا) قد حرَّر كـل البشرية. إنَّ الكلمة نفسه، وهو بالطبيعة الرب الكلمة، قـد جُعِلَ إنساناً، ومن خـلال صـورة العبد (التي اتَّخذها لنفسه في تجسُّده) صار رب الجميع ومسيحاً، أي يُقدِّس الجميع بالروح (القدس)](3).

+ ويُوضِّـح القديـس أثناسيوس الرسولي السبب في تجسُّد كلمة الله، قائلاً:

[(كلمة الله) لم يقصـد أن يتجسَّـد أو أن يَظهر فقط... لكنه أَخَـذَ جسـداً، وليس ذلك فحسب، بـل أَخَذَه مـن عذراء طاهرة نقية لم تعـرف رجلاً، جسـداً طاهراً وبدون زرع بشر؛ لأنـه وهـو الكائن الكُلِّي القدرة وبارئ كـل شيء، أَعـدَّ الجسد في (رَحِم) العذراء ليكـون هيكلاً له، وجعله جسـده الخاص مُتَّخـذاً إيَّـاه أداة ليسكن فيه ويُظهِر ذاتـه بـه. وهكـذا إذ اتَّخذ جسداً مُماثلاً لطبيعة أجسادنا، وإذ كـان الجميع خاضعين للمـوت والفساد، فقـد بَذَلَ جسـده للموت عِوَضاً عـن الجميع، وقدَّمه للآب. كل هذا فعله مـن أجل محبته للبشر: أولاً: لكي إذ كـان الجميع قـد ماتوا فيه، فإنـه يُبطل عـن البشر ناموس المـوت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قـد استُنفِدَ في جسـد الرب، فـلا يعود للمـوت سلطان على أجسـاد البشـر (المُماثلة لجسـد الرب)؛ ثانياً: وأيضاً فـإنَّ البشر الذين رجعـوا إلى الفساد بالمعصية، يُعيدهم إلى عدم الفساد، ويُحييهم مـن الموت بالجسد الذي جعله جسـده الخاص، وبنعمة القيامة يُبيد الموت منهم كما تُبيد النارُ القشَّ](4).

+ وفي ردِّه على بدعـة أبوليناريوس، يؤكِّد القديس أثناسيوس الرسولي على حقيقة الناسوت الذي اتِّحد به كلمة الله، وأنه ناسوتٌ كامل فيه كل مُكوِّنات وعناصر الطبيعة البشرية. وأنه ناسوتٌ مخلوق، كما أنَّ كلمة الله غير المخلوق هـو إلهٌ حق من إلهٍ حق؛ فيقول:

[عندما تسمُّون (أيها الهراطقة) جوهر الكلمة غير المخلوق بالمُتغيِّر، فأنتم تُجدِّفـون على أُلوهية الكلمة. وعندما تَصِفُون الجسد المُتغيِّر المُكوَّن من عظامٍ ودماء، ونفس إنسانية، أي كـل مُكوِّنات أجسادنـا، والذي صار ظاهراً ومحسوساً مثل أجسادنـا، عندما تَصفُون كل هـذا بأنـه ”غير مخلوق“؛ (فإنكم) تسقطون سقوطـاً شنيعاً في خطأيـن: أولهمـا أنكـم تفترضون أنَّ الآلام التي احتملها هي مجـرَّد خيال... أو أنكـم تَعتَبرون أنَّ اللاهـوت له طبيعة ظاهرة محسوسة، رغم أنه جوهرٌ غير مخلوق... لقد تمَّ اتِّحاد الناسوت بلاهوت الله الكلمة في أحشاء القديسة مريـم عندمـا نزل الكلمة من السماء، أي أنَّ الناسوت لم يكن له وجـودٌ قبل نـزول الكلمة وتجسُّده؛ بـل لم يكن للناسوت أيُّ وجودٍ حتى قبل وجود مريم والـدة الإله التي وُلِـدَت مـن (نسل) آدم... وعندمـا نؤكِّـد ذلك، فـإننا لا نُريد أن تفقد الإنسانية الرجاء وتبقى في ضعفها مُعرَّضـة دائماً لليأس، فهي تُبشَّر (بواسطة الهراطقـة) بـأنها لم تَعُـد لها صلة وثيقـة بالله، وبذلك تزول (عنها) النعمة تماماً. وكل مَن يسمع أن جسد الرب غير مخلوق، بينمـا هـو يعلم أنَّ كـل إنسـانٍ مخلوق، وأن الطبيعة البشريـة مصنوعة؛ أَلا يُدرك مَـن يقول هـذا الادِّعاء بعدم خَلْق الناسوت (الذي اتَّحد به كلمة الله)، أنَّ الأسفار الإلهية زائفـة، وأنـه لم تَعُـد له شركة مـع المسيح... (فـ) الرب اختبر الألم وهـو في الجسـد، وكَشَـفَ عـن لحمـه وعظامـه، ونفسـه الإنسانية التي تألَّمـت وعانت الأحزان والضيقات](5).

+ ويتحدَّث القديس أمبروسيوس عن شخص المسيح الذي صار هو الوسيط بيننا وبين الله، كما قال القديس بولس: «لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِـدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَـةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ، الشَّهَادَةُ فِي أَوْقَاتِهَا الْخَاصَّةِ» (1تي 2: 6،5)، فيقول:

[مَن هذا الذي في وقتٍ واحد يكون هو العَلي والإنسان؟ مَـن يكون سوى ”الوسيط بين الله والناس، الإنسـان يسوع المسيح، الذي بَـذَل نفسه لأجلنا“ (1تي 2: 5). هـذا يُشير تماماً إلى تجسُّده، لأن فداءنا قد صار بواسطة دمه، والصَّفح عنا هـو مـن فِعْل قوَّتـه، وحياتنا صارت في أمانٍ بواسطة نعمته. إنـه يُعطي، لأنه هو العَلي فوق الكل، وهو يُصلِّي كإنسانٍ (كـل هـذه الأفعال يعملها شخصٌ واحد هو كلمـة الله المُتجسِّـد، كـإله متأنِّس). الصفة الأولى هي وظيفة الخالـق، والثانيـة وظيفة الفادي. المواهب تتميَّز بعضها عـن بعض، ولكن الواهب واحدٌ، لأنه من اللائق أن يكون خالقنا هو فادينا](6).

وهكذا نقول إنَّ تدبير الخلاص الذي أكمله لنا ربنا يسوع المسيح ابن الله المُتجسِّد، قد تحقَّق من خـلال اتِّحاد الله ببشريتنا في المسيح، لكي ننال مـن خـلال هـذا الاتِّحاد عـدم الفساد وعدم الموت؛ وكذلك بواسطة هـذا الاتِّحاد الذي تمَّ في المسيح يسوع بين الله والإنسان، ندخل نحـن في شـركة حقيقية مـع الله، ونتَّحد بـه اتِّحاداً دائماً من خلال الأسرار المُقدَّسة، وننال ثمار ما عمله المسيح من أجلنا بالروح القدس الساكن فينا.

(1) ”ضد الهرطقات“، 5: 14: 2.
(2) ”ضد الهرطقات“، 5: 14: 4،3.
(3) ”المقالة الثانية ضد الآريوسيين“، 15: 14.
(4) ”تجسُّد الكلمة“، 8: 4،3.
(5) ”ضد أبوليناريوس“، الكتاب الأول: 5،4.
(6) ”شرح الإيمان المسيحي“، الجزء الثاني، 2: 8.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis