دراسة الكتاب المقدس

سفر التثنية
سفر توصيات موسى الوداعية لبني إسرائيل
- 46 -


(تابع) تفاصيل العهد وشروطه
(12: 1 - 26: 19)
ثالثاً: الأحكام المتعلقة بالأمور الاجتماعية وعلاقتها بالعبادة
(21: 1-26: 19)


+ + +
(تابع)
الأصحاح الثاني والعشرون

قضايا تتعلَّق بالزواج والطهارة (22: 13-30):
يتكلَّم باقي هذا الأصحاح عن ست قضايا تتعلَّق بالزواج والطهارة:

الحالة الأولى:

+ «إذا اتَّخذ رجلٌ امرأةً (زوجة له) وحين دخل عليها أبغضها، ونسب إليها أسباب كلام، وأشاع عنها اسماً رديّاً، وقال: هذه المرأة اتَّخذتها ولما دنوتُ منها لم أجد لها عُذرةً. يأخذ الفتاة أبوها وأُمها ويُخرجان علامة عُذرتها إلى شيوخ المدينة إلى الباب. ويقول أبو الفتاة للشيوخ: أعطيتُ هذا الرجل ابنتي زوجةً فأبغضها، وها هو قد جعل أسباب كلامٍ قائلاً: لم أجد لبنتك عُذرةً. وهذه علامة عُذرة ابنتي. ويبسطان الثوب أمام شيوخ المدينة. فيأخذ شيوخ تلك المدينة الرجل ويُؤدِّبونه، ويُغْرِمونه بمئة من الفضة ويُعطونها لأبي الفتاة، لأنه أشاع اسماً رديّاً عن عذراء من إسرائيل. فتكون له زوجةً. لا يقدر أن يُطلِّقها كل أيامه.

ولكن إنْ كان هذا الأمر صحيحاً ولم تُوجد عُذرةٌ للفتاة، يُخرجون الفتاة إلى باب بيت أبيها ويرجمها رجال مدينتها بالحجارة حتى تموت، لأنها عَمِلَت قباحةً في إسرائيل بزناها في بيت أبيها. فتنـزع الشرَّ من وسطِكَ» (22: 13-21).

تَعْرض هذه القضية احتمالين لحالة رجل تزوَّج من فتاة، ولكنه أبغضها منذ أن تزوَّجها، وادَّعى أنه لم يجدها عذراء، وأعادها لوالديها. ومن المحتمل أن يكون هذا الرجل كاذباً في ادِّعائه، وقد يكون صادقاً. فماذا يكون الحُكْم في كِلاَ الاحتمالين.

في الاحتمال الأول: يأخذ الفتاة أبوها وأُمها، ويذهبا بها إلى شيوخ المدينة، أي قضاتها. ويُثبتا عذراوية ابنتهما بدليل ملموس، وأنَّ زوجها قد افترى عليها وأساء إلى سمعتها لمجرد أنه أبغضها. فإذا تأكَّد للقضاة براءة الفتاة، يحكمون بتأديب الرجل حسبما يرون، استحقاقاً لافترائه على زوجته. كما يقومون بتغريمه بمائة شاقل من الفضة يأخذها أبو الفتاة ردّاً لاعتبار والديها، وحفظاً لكرامة الأسرة وسمعتها. وهذه الغرامة هي ضعف المهر المعتاد الذي كانت قيمته خمسين شاقلاً. كما يُلزَم الرجل بالزواج من الفتاة، ولا يمكنه أن يُطلِّقها مدى الحياة.

أما إذا ظهر أن ادِّعاء الرجل على الفتاة صادقٌ، وأنها ليست عذراء عند زواجه منها، فإنَّ القضاة يأخذونها إلى بيت أبيها لتُرجم هناك بالحجارة، لتكون عبرةً لغيرها، لأنها عملت قباحة في إسرائيل بزناها في بيت أبيها. فقد أخطأت في حقِّ نفسها وأهلها وأُمة إسرائيل كلها، التي كانت تُحسَب عند الله أُمةً مقدَّسة، ومملكة كهنة (خر 19: 6).

الحالة الثانية:

+ «وإذا وُجد رجلٌ مضطجعاً مع امرأةٍ زوجةِ بَعْلٍ، يُقتل الاثنان: الرجل المُضطجع مع المرأة، والمرأة. فتنـزع الشرَّ من إسرائيل» (22: 22).

سبق ذِكْر هذا الحُكْم في (لا 20: 10)، وقد كان الحُكْم عليهما بالرجم، لأنَّ الرجل قد اعتدى على عرض أخيه، والزوجة قد خانت زوجها. هذا بخلاف أنهما قد أخطآ أمام الله وفي حقِّ أُمة إسرائيل كلها باعتبارها مملكة كهنة وأُمةً مقدسة، التي ارتبطت بعهدٍ مقدَّس مع الله: «وتكونون لي قدِّيسين لأني قدوس أنا الرب. وقد ميَّزتكم من الشعوب، لتكونوا لي» (لا 20: 26).

فإذا كان هذا هو أَمْر خطية الزنا بالنسبة لشعب إسرائيل حسب ناموسهم، فكم يكون الأمر أشدَّ خطورة بالنسبة لنا نحن الذين ارتبطنا بالمسيح بعهدٍ مقدَّس، فصارت أجسادنا أعضاء للمسيح، كما يقول بولس الرسول: «ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح. أفآخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية؟ حاشا! أم لستم تعلمون أنَّ مَن التصق بزانية هو جسد واحد، لأنه يقول: يكون الاثنان جسداً واحداً. وأما مَن التصق بالرب فهو روح واحد. اهربوا من الزنا. كل خطية يفعلها الإنسان هي خارجة عن الجسد، لكن الذي يزني يُخطئ إلى جسده. أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله، وأنكم لستم لأنفسكم. لأنكم قد اشتُريتم بثمنٍ، فمجِّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله» (1كو 6: 15-20).

الحالة الثالثة:

+ «إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل، فوجدها رجلٌ في المدينة واضطجع معها. فأَخْرِجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا، الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة، والرجل من أجل أنه أذلَّ امرأةَ صاحبه. فتنـزع الشرَّ من وسطك» (22: 24،23).

كانت الفتاة المخطوبة تُعتبر في حُكْم المتزوِّجة، لأنها أضحت مرتبطة بعقد اتفاق برجلها، كما كان الحال مع القديسة مريم العذراء التي كانت مخطوبة للقديس يوسف النجار (مت 1: 18؛ لو 1: 27). وواضح من قول الكتاب إنها لم تكن زوجته، إذ يقول: «لما كانت مريم أُمه (أُم المسيح) مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وُجدت حُبْلَى من الروح القدس، فيوسف رجلها إذ كان بارّاً ولم يشأ أن يُشهرها، أراد تخليتها سرّاً. ولكن فيما هو مفتكر في هذه الأمور، إذا ملاك الرب قد ظهر له في حُلْم قائلاً: يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك، لأن الذي حُبِلَ به فيها هو من الروح القدس، فستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع، لأنه يُخلِّص شعبه من خطاياهم» (مت 1: 18-21). وقد كان هذا الأمر تدبيراً إلهياً لكي يصير يوسف البار حارساً للسرِّ الإلهي، حتى يتم تجسُّد الله الكلمة من العذراء القديسة مريم، وينتسب الرب يسوع إلى داود أبيه عن طريق أُمه التي من نسل داود، ويوسف الذي كان أيضاً من بيت داود، والذي دُعِيَ أباً للمسيح من باب الانتساب، بسبب أنه كان خطيباً للسيدة العذراء مريم.

أما في حالة هذه الفتاة المخطوبة لرجلٍ التي سقطت في الزنا مع رجل في المدينة، أي في وسط العمران، فقد أَمَرَ الوحي بالحُكْم عليهما بالموت رجماً أمام باب المدينة، تشهيراً لفعلتهما، ولكي يكونا عِبْرة لكل أهل المدينة، لأنه كان بإمكانها أن تصرخ وتستغيث بأهل البلدة دليلاً على عدم موافقتها للرجل الذي اعتدى عليها. فبما أنها لم تفعل ذلك فتُعتَبَر موافقة له، فيحقُّ الحُكْم عليها لخيانتها لزوجها الذي ارتبطت معه بالخطبة، أما الرجل المعتدي عليها فقد اعتدى أيضاً على عرض أخيه، وكلاهما قد نجِّسا كل إسرائيل، وخانا عهد الله الذي أَمَرَ شعبه في الوصايا العشر قائلاً: «لا تَزنِ» (خر 20: 14).

الحالة الرابعة:

+ «ولكن إنْ وَجَدَ الرجلُ الفتاةَ المخطوبة في الحقل وأمسكها الرجلُ واضطجع معها، يموت الرجل الذي اضطجع معها وحده. وأما الفتاة فلا تفعل بها شيئاً. ليس على الفتاة خطيةٌ للموت، بل كما يقوم رجلٌ على صاحبه ويقتله قتلاً هكذا هذا الأمر. إنه في الحقل وجدها فصرخت الفتاة المخطوبة فلم يكن مَن يُخلِّصها» (22: 25-27).

في هذه الحالة وجد الرجل المعتدي الفتاةَ المخطوبةَ في الحقل بعيداً عن المدينة، فاعتدى عليها واغتصبها. لذلك يأمر الرب في هذه الحالة بقتل الرجل رجماً، لأنه اعتدى على فتاةٍ ضعيفة؛ بينما الفتاة لن تجد مَن يغيثها مهما صرخت واستغاثت ، لذلك فإنه يُلتَمَس لها العذر. ويُشبِّه الوحي هذه الحالة بحالة رجل يُصادف غريمه بعيداً عن الناس فيقتله.

ولعلَّ في ذلك تحذيراً لكل فتاة أن لا تذهب بمفردها في أماكن غير مأمونة، حتى لا تُعرِّض نفسها للخطر، وبالأخص في هذه الأيام التي زاد فيها الانفلات الأخلاقي والأمني. لذلك يُوصينا الرب يسوع قائلاً: «ها أنا أُرسلكم كغنمٍ في وسط ذئاب. فكونوا حكماء كالحيَّات، وبسطاء كالحمام. ولكن احذروا من الناس» (مت 10: 17،16).

ويحضرنا هنا ما حدث مع الرب يسوع حينما أحضر له الكتبة والفرِّيسيون امرأة أُمسِكَت وهي تزني في ذات الفعل، وقالوا له: «موسى في الناموس أوصانا أنَّ مثل هذه تُرجَم. فماذا تقول أنت؟ قالوا هذا ليُجرِّبوه لكي يكون لهم ما يشتكوا به عليه. أما يسوع فانحنى إلى أسفل، وكان يكتب بأصبعه على الأرض. ولما استمروا يسألونه، انتصب وقال لهم: مَن كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر. ثم انحنى إلى أسفل، وكان يكتب على الأرض. وأما هم فلما سمعوا، وكانت ضمائرهم تُبكِّتهم، خرجوا واحداً فواحداً مبتدئين من الشيوخ إلى الآخرين، وبَقِيَ يسوع وحده والمرأة واقفة في الوسط. فلما انتصب يسوع ولم ينظر أحداً سوى المرأة، قال لها: يا امرأة، أين هم أولئك المشتكون عليك؟ أَمَا دانكِ أحد؟ فقالت: لا أحد يا سيِّد. فقال لها يسوع: ولا أنا أُدينكِ، اذهبي ولا تُخطئي أيضاً» (يو 8: 2-11).

فمن المُرجَّح أنَّ هذه الفتاة كانت مخطوبة، وأنها قد أخطأت في المدينة، لذلك فقد كان الرجم هو عقوبتها المستحقة حسب الناموس. ولكن أين الزاني الذي أخطأ معها؟! فلعله كان واحداً منهم! وأما الرب فقد اغتنم هذه الفرصة ليُعلِّم المرأة والذين قصدوا أن يدينوها درساً لا يُنسَى. فبقوله لهم: «مَن كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر»، أيقظ ضمائرهم وأخزاهم أمام أنفسهم وأمام بعضهم البعض، وعلَّمهم درساً: أن ندين أنفسنا أولاً قبل أن ندين الآخرين. فالناموس وُضِعَ لا لكي ندين به غيرنا، وإنما لكي ندين به أنفسنا أولاً، لذلك قال الرب يسوع: «لا تدينوا لكي لا تُدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تُدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم» (مت 7: 2،1). كما يقول يعقوب الرسول أيضاً: «الذي يذمُّ أخاه ويدين أخاه، يذم الناموس ويدين الناموس، وإن كنتَ تدين الناموس فلستَ عاملاً بالناموس بل ديَّاناً له. واحدٌ هو واضع الناموس القادر أن يُخلِّص ويُهلك. فمَن أنت يا مَن تدين غيرك؟» (يع 4: 12،11). أما المرأة الزانية فقد وقفت أمام الرب وهي في خجلٍ من خطيتها أمام طُهره الفائق، لأنه هو وحده الذي بلا خطية، والذي كان من حقِّه أن يدينها. ولكنه بلطفه العجيب قال لها: «يا امرأة.... أما دانكِ أحد؟ فأجابت: لا يا سيد. فقال لها يسوع: ولا أنا أدينك. اذهبي ولا تُخطئي أيضاً». وهكذا لمست كلماته قلبها وتجدَّدت روحها. وهكذا تمَّ قـول الرب: «الحق أقـول لكم: إن العشَّارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت الله» (مت 21: 31).

الحالة الخامسة:

+ «إذا وجد رجلٌ فتاة عذراء غير مخطوبة فأمسكها واضطجع معها، فوُجـِدا. يُعطي الرجلُ الذي اضطجع معها لأبي الفتاة خمسين من الفضة وتكون هي له زوجةً من أجل أنه قد أذلَّها. لا يقدر أن يُطلِّقها كل أيامه» (22: 29،28).

تعرض هذه الحالة قضية رجل وجد فتاة عذراء غير مخطوبة، فأمسكها واضطجع معها، وكُشِفَ أمرهما. أما حُكْمها فهو أن يدفع الرجل لأبيها مهر العذارى وقدره خمسون شاقلاً من الفضة، وأن يتزوَّج الفتاة، ولا يمكنه أن يُطلِّقها كل أيام حياته من أجل أنه أذلَّها باعتدائه عليها.

الحالة السادسة:

+ «لا يتخذ رجلٌ امرأةَ أبيه، ولا يكشف ذيل أبيه» (22: 30).

لا يجوز للابن أن يتزوَّج بامرأة أبيه، سواء كان أبوه حيّاً أو قد طلَّق امرأته، أو حتى بعد مماته وقد أصبحت امرأته أرملة. ويُقصد بكشف ذيل الأب أي التعدِّي على حقوقه الزوجية.

وقد عوقب رأوبين بِكْر يعقوب، لاعتدائه على بلهة سرية أبيه، بحرمانه من حقِّ البكورية (تك 49: 4،3). كما عوقب أبشالوم الذي اعتدى على سراري داود أبيه، فمات شر ميتة (2صم 16: 22؛ 18: 15،14). وقد أوصى موسى أن يقف جميع شعب إسرائيل بعد دخولهم أرض الموعد، على جبل عيبال للَّعنة، وينطق اللاويون باللعنات لكل مَن يُخالف وصايا الناموس، ويقولون في اللعنة السادسة: «ملعونٌ مَن يضطجع مع امرأة أبيه، لأنه يكشف ذيل أبيه، ويقول جميع الشعب: آمين» (تث 27: 20). وقد جاء ذِكْر هذه الوصية من قبل في سفر اللاويين: «عورة امرأة أبيك لا تكشف، إنها عورة أبيك... وإذا اضطجع رجل مع امرأة أبيه، فقد كشف عورة أبيه. إنهما يُقتلان كلاهما، دمهما عليهما» (لا 18: 8؛ 20: 10).

وقد ذَكَرَ بولس الرسول هذه الخطية التي سقط فيها أحد أفراد الكنيسة التي في كورنثوس، مِمَّا أزعج الرسول جداً، فكتب لهم قائلاً: «يُسمع مطلقاً أن بينكم زنًى، وزنًى هكذا لا يُسمَّى بين الأُمم حتى أن تكون للإنسان امرأة أبيه. أفأنتم منتفخون، وبالحري لم تنوحوا حتى يُرفع من وسطكم الذي فعل هذا الفعل؟! فإني أنا كأني غائبٌ بالجسد ولكن حاضر بالروح، قد حكمتُ كأني حاضرٌ في الذي فعل هذا هكذا: باسم ربنا يسوع المسيح، إذ أنتم وروحي مجتمعون مع قوة ربنا يسوع المسيح، أن يُسلَّم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد، لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع» (1كو 5: 1-5).

(يتبع)

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis
30 - مجلة مرقس ديسمبر 2011 مجلة مرقس ديسمبر 2011 - 31